- من أهم أسباب حقد صدام على الكويت ومحاولته تقويض نظام حكمها تفاقم أزمته الاقتصادية والنقمة الشعبية من حكمه الجائر ومجازره بالعراق
- راهن النظام العراقي من خلال مذكرته العدوانية على تخويف الكويت في محاولة لابتزازها متجاهلاً سجل الكويت المشرّف بالتصدي لتلك المحاولاتبقلم: الأستاذة الدكتورة ميمونة خليفة العذبي الصباح
في فجر يوم كان يفترض أن يكون مشرقا كأيام الكويت الزاهرة، استيقظ العالم على جريمة ارتكبها مجرم الحرب هولاكو العصر وديكتاتور القرن (صدام حسين) متسلحا بالدبابات والطائرات وكل أسلحة الدمار.
إن أحداث أغسطس الأسود فضيحة نكراء وجريمة بشعة في البيت العربي، فهي أحداث سطو وسلب ونهب واغتصاب... أحداث قراصنة أو قطاع طريق.. وتلك هي الصورة التي أخذت تتكشف يوما بعد يوم منذ بداية الاجتياح التتاري.. ومأساة الغزو العراقي هي مأساة المجتمع العربي بقدر ما هي أيضا مأساة كل المجتمع الإنساني فأحداث الكويت هي قضية الإنسانية بعد أن تأكدت الأحداث البشعة والمعادية للقيم الإنسانية في أزمة الخليج وما تنطوي عليه من دلالات ورموز، إنها مأساة إنسانية أخلاقية في المحل الأول وتثير قضية الحاجة إلى نظام قيمي علمي يقوم على حسن توظيف ثقافتنا، وهي ثقافة غنية بالمفاهيم والأحكام والمبادئ التي تتجسد في أعمال وأفعال ومواقف إنسانية.
«إن أزمة الغزو العراقي الآثم للكويت وتعقيداتها السياسية والعسكرية الرهيبة لم يكن وقوعها منطقيا ولم يكن ذلك الغزو الغادر منتظرا، كما أن استمرار الاحتلال العراقي وبالتالي بقاء الأزمة لمدة سبعة أشهر ساخنة لم يكن متوقعا، وما حدث يثير تساؤلات كثيرة منها: هل كان أمر الأوضاع العربية المتهالكة ناتجا عن القرار العراقي الأحمق بغزو الكويت؟ أم أن غزو الكويت وتشريد شعبها هو النتيجة الطبيعية للأوضاع العربية المتدهورة؟
لقد تجلت فضيحة العالم العربي في انقسامه حول قضية وحدت العالم كله شرقه وغربه شماله وجنوبه، وجمعت الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية.
وكان ما كتبه المفكر العربي أ.د. عبدالعظيم رمضان معبرا عن واقعنا المر حين قال: «.. جاء اجتياح النظام العراقي الكويت ليكشف ان النظام العراقي أكثر خطرا على الأمة العربية، وأنه يمثل بالنسبة لها الاستعمار وأكثر ضراوة من أي استعمار آخر فقد اجتاح الكويت ـ البلد الصغير المسلم الآمن ـ كالإعصار المدمر ليكتسح أمامه كل شيء وحمل معه إلى بغداد كل شيء حتى اسم الشعب الكويتي نفسه. وترك هذا الشعب وراءه دون اسم، ودون وطن.. وهو ما لم يجرؤ عليه أي غاز في التاريخ».
فعلى أثر انتهاء الحرب العراقية ـ الإيرانية، يوليو من عام 1988، كان العراق يخطط لاستغلال آلته العسكرية الرهيبة ـ لتنفيذ مزاعمه للتوسع في الخليج على حساب دوله بدءا بالكويت الجارة الصغيرة، وذلك حين كان يردد مزاعمه بأن قوة العراق هي لإنقاذ العرب وتحرير أراضيهم، واسترجاع هيبتهم ومكانتهم الحضارية، وأن التهديد للكويت ودول الخليج ينبع عن مصادر غير عربية.
وعلى عكس التوقعات المنطقية والاجتماعية التي تشير الى أن يحول العراق آلته وإمكاناته العسكرية مع وضع الدولة المحاربة إلى وضع آخر مختلف تماما وهو وضع الدولة المسالمة والمدنية التي تسعى إلى النهوض والتطور وتحقيق الرفاهية لشعب عانى طويلا وقدم التضحيات الجسام، فتوظف قدراتها ومداخيلها للتقدم الاجتماعي والاقتصادي بما يعود على العراق وشعبه بالخير الكثير. إلا أن العراق ومنذ وقف إطلاق النار في الحرب العراقية ـ الإيرانية في صيف 1988م بدأ في اقتناء أسلحة ومعدات متطورة، كما أنه لم يسرح الأعداد الهائلة التي جندها وقت الحرب أو يحولها إلى قطاعات مدنية إنتاجية مما يشير إلى نواياه العدوانية التي كان يسخرها للإعداد لخططه الهجومية الإجرامية باقتناء معدات دمار جديدة، حيث اشترى في الفترة الواقعة بين نهاية الحرب العراقية ـ الإيرانية وبداية الغزو العراقي للكويت معدات وآليات عسكرية عديدة ومتنوعة منها حوالي (1000) دبابة إضافية، وحوالي (90) طائرة مقاتلة (و200) عربة مشاة و (150) مصفحة و(153) راجمة صواريخ متعددة الفوهات و(1580) قطعة مدفعية ميدان إلى جانب تطوير انظمة الدفاع الجوي والصواريخ البعيدة المدى، ومضاعفة إنتاج الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، ولاشك أن تلك الأسلحة تزيد على حاجة العراق للدفاع الذاتي وتعتبر مؤشرا لنزعة شريرة توسعية كما يقول د. رضا أسيري الذي استنتج بناء على ما قدم بأن الإعداد لغزو الكويت ورسم السيناريوهات العديدة بدأ قبلها بخمسة شهور على أقل تقدير، وذلك بعد نهاية قمة مجلس التعاون العربي في عمان في فبراير 1990م، وبعد أن رفضت الكويت ودول مجلس التعاون مطلب الرئيس العراقي بإعطائه ثلاثة مليارات دولار، الأمر الذي يدفع د. أسيري إلى الاعتقاد بأن العامل الاقتصادي هو العنصر المحرك للغزو وما بعده. ولكني أجد أن الإعداد لغزو الكويت بدأ قبل الانتهاء من حربه غير المبررة مع إيران وقد تكون أطماعه التوسعية على حساب الكويت وشقيقاتها الخليجيات هي أهم دوافعه للدخول في الحرب، كما أن المحرك للغزو لم يقتصر على العامل الاقتصادي وإنما تعداه بكثير، وتمثل في محاولة ابتلاع للكويت كبداية للتوسع في دول الخليج وتكوين امبراطورية صدامية دموية.
المذكرة العراقية
في معرض استعراضنا للخطوات الظالمة التي مهد العراق بها لعدوانه الآثم على شقيقته وجارته الكويت لابد أن نقف عند المذكرة العراقية المرفوعة إلى الأمين العام لجامعة الدول العربية الشاذلي القليبي بتاريخ 15 يوليو 1990م خلال اجتماع مجلس الجامعة الذي انعقد في تونس.
لقد افتعل النظام العراقي في مذكرته تلك أزمة سياسية بين بلاده والكويت حول مسألة الحدود، متهما إياها بأنها اعتدت ـ وهي الودودة المحبة للسلام والاستقرار - على حدود العراق بتجاوز مبرمج، في حين ان الجميع يعلم والتاريخ المعاصر والقريب جدا يشهد كم قاست الكويت من التجاوزات والتعديات العراقية على حدودها التي ملأت الملفات الوثائقية، والتي ستبقى للتاريخ ضمن سجل الاعتداءات العراقية المستمرة على الكويت، وهل ننسى حادثة (الصامتة) عام 1973 حين هاجمت القوات العراقية بغدر ووحشية مركز الشرطة الكويتي في (الصامتة) مما ادى الى استشهاد اثنين من افراد الشرطة وجرح آخرين.
كما اتهمت المذكرة الكويت بسرقة الثروات العراقية وضلوعها في مؤامرة دولية تهدف الى إضعاف العراق، وادعت المذكرة ان الكويت استغلت انشغال العراق في حربه مع ايران وبدأت في سرقة نفط العراق من حقل (الرميلة) المشترك وبيعه دون علم العراق، ولم يصمد الادعاء العراقي بهذا الشأن امام الحقيقة والواقع حين بينت التقارير ان حقول النفط تمتد تحت حدود الدولتين المعترف بها من العراق نفسه، وأن كلا من العراق والكويت قد قاما باستخراج النفط منها، كل في الجزء الواقع في اراضيه، وكانت الكويت تنتج من (حقل الرتقة) في الجزء الواقع داخل الاراضي الكويتية حوالي مائتي ألف برميل يوميا، بينما كان العراق وفي الوقت ذاته يستخرج ما بين 450 - 650 ألف برميل يوميا في الجزء الواقع في اراضيه وهذا ما لم يذكره العراق في اتهامه للكويت، علما بأن الكويت كانت تبيع من نفطها 20 ألف برميل يوميا لحساب العراق طوال سنوات الحرب بين العراق وإيران كانت تسدد مبالغه للعراق اولا بأولا دعما منها للعراق في الأوقات الصعبة، ولكن النظام العراقي يقلب الحقائق رأسا على عقب وينكر الدعم ويسميه سرقة. كان النظام العراقي من خلال مذكرته العدوانية يراهن على تخويف الكويت في محاولة لابتزازها، متجاهلا ان للكويت سجلها المشرف في التصدي لجميع انواع الابتزاز ومواقفها الصلبة بحزم امام الارهاب ومسببيه سواء على مستوى الدول او المنظمات.
كان النظام العراقي بزعامة رئيسه صدام حسين في تلك المذكرة وما سبقها من احداث انفعالية مفتعلة يختلق الخلافات مع جارته الكويت ويصطنع المشكلات معها بادعاءات وافتراءات لا يقبلها العقل ولا يقرها الواقع او المنطق، ولكنه كان يهدف منها الى ايجاد مبرر ينفذ من خلاله جريمة العصر والتاريخ بالعدوان على الكويت وابتلاعها. إذن، فإن غزو الكويت والاعتداء عليها واحتلالها بالقوة لم يكن وليد تاريخه، او ما طرحه صدام من مبررات واهية لا تصمد امام الحقيقة والتاريخ والقانون الذي يدين بشكل قاطع تلك الجريمة الشنعاء، وإنما جاء نتيجة مخطط عدواني آثم مبرمج وفقا لخطوات تمهيدية متعددة يمكن إيجازها فيما يلي:
1 - دخول حرب لا مبرر لها مع إيران ليعزز قوته ويقضي على واحدة من اكبر القوى في المنطقة من اجل ان يخلو له الجو للانفراد بدول الخليج وابتلاعها.
2 - قيام العراق برسم حدوده مع جميع الدول المحيطة به اثناء حربه مع ايران فيما عدا الكويت، وأخذ يماطل في وضع العلامات الحدودية الفاصلة للحدود الموضحة في الاتفاقيات السابقة.
3 - تكراره ادعاءات بأنه حامي حمى البوابة الشرقية للوطن العربي ليظهر الكويت ودول الخليج بصورة المقصرة امام ما قدمه لها من فضل كبير.
4 - إقامة مجلس التعاون العربي بعد وقف اطلاق النار مع ايران مع كل من مصر واليمن والاردن بهدف احتواء هذه القوى العربية لمساندته في تنفيذ مخططاته الآثمة نحو غزو الكويت واحتلالها.
5 - قيامه بتجميع معدات واسلحة متطورة، وذلك بعد انتهاء حربه مع ايران وإضافتها الى ترسانة السلاح التي جمعها اثناء الحرب بدعم من دول الخليج ذاتها - بدوافع قومية - ومن الدول الاوروبية والولايات المتحدة الاميركية.
6 - كما انه لم يسرح العدد الهائل من المجندين والاحتياطي ولم يحولهم الى الانتاج المدني الصناعي والزراعي للاستفادة من طاقاتهم لإعمار العراق وإعادة بنائه بعد ثماني سنوات من حرب طاحنة اكلت الاخضر واليابس، مما يؤكد نواياه العدوانية تجاه شقيقاته الخليجيات، وأولها الكويت التي كان يعد العدة لغزوها بتلك القوة العسكرية الهائلة.
7 - إثارة مشكلات حول ديون الكويت لديه لإظهارها بمظهر الرافضة لإسقاط الديون عن العراق في الوقت الذي ابلغه فيه اميرها بأن الكويت تعتبر هذه الديون غير قائمة.
8 - الادعاء بأن دولة الكويت ودولة الامارات العربية المتحدة تعملان على تخفيض اسعار النفط للإضرار باقتصاد العراق.
9 - حركته العدوانية المفاجئة والمتمثلة في المذكرة التي رفعها الى الجامعة العربية موجها فيها اكبر التهم والادعاءات الباطلة ضد الكويت.
10 - حربه الاعلامية الظالمة ضد الكويت وبعض الدول الخليجية بإطلاقه اكاذيب وادعاءات غير حقيقية فضلا عن انها ليست منطقية.
11 - دعوته بإصرار الى عدم تدويل الازمة وحصرها في الدائرة العربية، وحين ارتضت الكويت حكم هيئة عربية محايدة، تنصل النظام المخادع متذرعا بأن ما بين الكويت والعراق هو شأن ثنائي يحل بينهما، ولكنه راح يدبر جريمته مع بعض القيادات العربية التي تورطت معه في مؤامرته.
12 - تعهده لخادم الحرمين الشريفين وللرئيس المصري، رحمهما الله، بعدم استعمال القوة ضد الكويت، وذلك حين كان يحشد الحشود على حدوده والتي كانت اكثر مما يحتاجه لاحتلال الكويت.
13 - أظهر قبوله لوساطة المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية واستجابته لاقتراح عقد اجتماع عاجل بين الحكومتين الكويتية والعراقية والذي عقد في جدة لمناقشة ادعاءات العراق. لكن الوفد العراقي رفض التفاوض، وقدم وثيقة شروطه وطلب الموافقة عليها دون أي مناقشة، وانتهى الاجتماع باتفاق الطرفين على مواصلة بحث الموضوع في اجتماع لاحق بينما تشير الوثائق العراقية التي عثر عليها في الكويت بعد التحرير الى ان اوامر الهجوم على الكويت سلمت الى القيادات العسكرية صباح هذا اليوم الذي كان الطرفان الكويتي والعراقي مجتمعين فيه، وبالفعل بدأت القوات العراقية غزو الكويت بعد مغادرة الوفد العراقي بساعات.
أسبــاب ودوافـع النظـام العراقــي لعدوانــه على دولة الكويت
أما أهم أسباب هذه الجريمة النكراء فهو ما أوضحه أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد، رحمه الله، في خطابه الذي ألقاه في المؤتمر الشعبي الكويتي الذي انعقد بمدينة جدة في المملكة العربية السعودية في الفترة من 13 - 15 أكتوبر 1990 حين أشار إلى أن العدوان اظهر ان ما قدمته الكويت (للنظام العراقي) لم يكن كافيا لغرس شجرة الخير في ضميره.
واحتواء نزعة الشر المتأصلة في سلوكه.. وأن ما وصلت إليه الكويت من تقدم وازدهار ورخاء وما حققته لمواطنيها وللشرفاء والخيرين من أمن وسلام واستقرار وحياة هانئة رغيدة قد أثار حفيظة النظام العراقي الآثم، الذي أساء الى شعبه بالغ الإساءة وبدد ثرواته لتحقيق مآرب خاصة، وحينما شعر بأن الشعب بدأ يتململ ويتذمر من انحرافه وشططه، أراد إلهاءه بفتح جبهة جديدة مع الكويت التي كانت وفي جميع الظروف سندا وعونا له ولأشقائها العرب والمسلمين، وأرسل قواته المسلحة بعد منتصف الليل لاجتياحها واحتلالها وممارسة أعمال العنف والقتل والسطو ضد المواطنين الأبرياء بحقد لم يسبق له مثيل في عالمنا المعاصر.
فكان تململ الشعب العراقي وتطلعه الى التخلص من حكمه الفردي وممارساته الإجرامية الدموية التي طالت جميع فئات الشعب حتى أعضاء مجلس قيادة الثورة وقادة القوات المسلحة، والإبادة الجماعية للقرى الكردية بأسلحة الدمار الكيمياوية، ثم تكميمه للأفواه وسلبه للحريات والممتلكات، الى جانب تردي الأوضاع الاقتصادية نتيجة الحرب الكارثية التي خاضها ضد إيران والتي بلغت ديونه خلالها ما بين 70 و80 مليار دولار، وتصاعدت فوائدها بمعدل 3 مليارات دولار سنويا وتفاقمت مظاهر الأزمة الاقتصادية، وبدأت البلاد تنحدر الى شفا الإفلاس ولم تنفع كل الوسائل الترقيعية التي حاول النظام العراقي بواسطتها إيجاد حل لهذه الأزمة المستعصية، وكانت مشكلة تسريح أكثر من نصف مليون جندي وعدم إيجاد عمل لهم، ثم معاناة الشعب من تدهور الحياة المعاشية وتصاعد أسعار المواد الاستهلاكية بشكل مطرد حتى بلغت أربعة أضعاف ما كانت عليه عام 1985، وتفاقمت أزمة السكن، وارتفعت معدلات أجور النقل مقابل زيادة طفيفة في الرواتب لم تتجاوز 25 دينارا، في حين هبطت القيمة الشرائية للرواتب والأجور، فزاد التضخم المستمر في معاناة الطبقة العاملة والجماهير الكادحة، في الوقت الذي زادت فيه أرباح الطفيليين، وراح النظام يتخبط للخروج من هذه الأزمة الخانقة فقام ببيع الكثير من مؤسسات الدولة وتحويل عشرات الآلاف من العمال الى القطاع الخاص وإجبار المواطنين على التبرع من أجل إعادة البناء، وإعلان حالة التقشف تحت ذرائع مختلفة لم تكن مقبولة، لأنها لم تحقق فوائد أو نتائج طيبة للعراق وشعبه في المجال الوطني أو القومي، وإنما أدت إلى نتائج سلبية متراكمة على كافة الأصعدة والمجالات، إنها الحرب التي خرج منها مثلما دخل مقدما التنازلات المهينة التي تعني بوضوح خسارته للحرب التي قدم خلالها الشعب العراقي الكثير من التضحيات الغالية في الأرواح والأموال والمقدرات والمعاناة المرة، وذلك الى جانب ما يستشعره الشعب العراقي من ألم نتيجة سياسة نظامه الاستبدادي الذي يعامله بالحديد والنار، وما يحسه من انعكاسات فشل نظامه في المجالين العربي والدولي على بلاده.
وكان لابد ان يقارن هذا الشعب العراقي المبتلى بحكم صدام بين الأوضاع القاسية المتردية التي يعيشها في ظل هذا الحكم والأوضاع في جارته العربية الآمنة والمستقرة المتقدمة التي حققت لشعبها الرخاء والحياة الكريمة وكفلت له العدالة والحرية والديموقراطية في القول والعمل ولابد ان تكون نتيجة المقارنة الاندفاع بكل الطرق والوسائل للفكاك من حكم الطاغية والإطاحة به والتطلع الى إقامة نظام عادل يحقق له ما حققه حكام الكويت لشعبهم وبلدهم.
فكانت هذه التطلعات والتوجهات الشعبية العراقية من أهم أسباب حقد صدام على الكويت ومحاولته تقويض نظام حكمها المستنير وضمها الى العراق قسرا تحت حجج واهية مع ان جوهرها الحقيقي هو تفاقم النقمة الشعبية من حكمه الجائر، وتفاقم أزمته الاقتصادية المستعصية، لذلك وجد الحل في احتلال الكويت المزدهرة بفضل سياسة حكومتها الشرعية الحكيمة في الداخل والخارج، والتي تمتلك احتياطيا نفطيا يقدر بـ 94.5 مليار دولار، وبضم هذه الدولة الفتية اليانعة الى العراق يصبح الاحتياطي من النفط لديه حوالي 20% من الاحتياطي العالمي اي 60.06 مليار برميل، فإذا دمج الإنتاج ووصل الى 5.5 ملايين برميل يوميا حسب تصريحات سعدون حمادي وزير الدولة للشؤون الخارجية العراقي مخمنا سعر البرميل الواحد 30 دولارا تكون عائدات النفط الإجمالي 60.2 مليار دولار سنويا.
لقد كرر صدام في الكويت حساباته الخاطئة بالنسبة لحرب 8 سنوات حين قبل معاهدة 1975 مع إيران التي تنص على تقسيم السيادة على ممر شط العرب بين الدولتين والتي كان قد أبرمها بنفسه مع شاه إيران السابق ثم أعلن بطلانها وخاض الحرب الضروس من أجل إلغائها، ولا بأس بكل ذلك مادام صدام حسين حينها باقيا على عرشه، ومادام العراق ومعه الأمة العربية قد أمضوا 8 سنوات في حرب هامشية لا ضرورة لها، ودفعوا ثمنها غاليا. أما بالنسبة للكويت فقد مزقت جحافل جيوش العراق الغازية قناع القومية العربية التي خاضت تحت رايتها - وخضنا معها - الحرب ضد إيران، وزاد الغزو من تأجج مشاعر النقمة لدى ا لشعب العراقي من تلك القيادة الاستبدادية الظالمة التي ورطته في الاعتداء على أخيه وجاره العربي المسلم بعد ان فرغت من الشيء ذاته مع الجارة إيران، وصعدت من أزمته الاقتصادية نتيجة الحصار الذي فرضته عليه الإرادة الدولية وما يتحمله العراق من نفقات باهظة لا يقوى عليها باستعداده لخوض حرب فتاكة خاسرة مع العالم بأسره ستتداعى - بكل أسف - معها كل مقدرات العراق ومقومات وجوده ككيان وقوة عربية يعول عليها الكثير. ويمكن ان نلخص أهم أسباب صدام حسين لغزو الكويت واحتلالها فيما يلي:
- المشكلة الاقتصادية المستعصية لأن العراق خرج من الحرب وعليه ديون تقدر بحوالي 100 مليار دولار وقد انهارت الزراعة والصناعة وكافة مقدرات العراق الاقتصادية، وأصبح النظام غير قادر على إدارة اقتصاده.
- الانفتاح الدولي وتأثيره على الشعب العراقي وانتشار مظاهر الديموقراطية وسقوط مبادئ المعسكر الاشتراكي وما يتبع ذلك من تأثير قوي على الحزب الحاكم الذي تربطه علاقات مع الشرق، حيث قصد صدام باحتلال الكويت إلهاء الشعب وإبعاد السقوط عن نظامه.
- رغبة العراق في قيادة العالم العربي.
- بروز الهيكلية السياسية للمعارضة العراقية بأنواعها المختلفة من إسلامية وقومية وكردية وماركسية ومستقلة واتحادها ضد نظام صدام.
- إن صدام أساء تفسير الدعم العربي له وظن أن العالم سوف يستمر في دعمه بعد احتلال الكويت كما فعل العالم عندما أعلن الحرب ضد إيران ولكن ظنه خاب!
- إن العقلية التآمرية لصدام حسين هي التي دفعت العراق لاحتلال الكويت ومن ثم فإن هذه العقلية مسؤولة عن الحوادث المؤسفة وعن التدهور الذي يحدث في المنطقة والذي يبدو أحيانا غير منطقي ومستعصيا على الفهم، فغزو العراق للكويت وما تبعه من مضاعفات أدى الى إشعال الحرب كأحد نتائج تلك العقلية التآمرية.. التي تحتكر القرار وتحصره في نفسها.
وسيطرت هذه العقلية التآمرية التي يحملها صدام حسين على مواقع إصدار القرار وهذه العقلية تحمل وجهين: وجها خارجيا يظهر للناس وللرأي العام العربي والعالمي، والوجه الآخر سري وخفي لا يعلم عنه أحد شيئا إلا القلة المشتركة معه. أما الجانب المعلن فغالبا ما يظهر نفسه في شكل شعارات وخطب إنشائية يقصد به إخفاء النوايا السرية والقيام بعملية تضليل وتشويش حتى لا تظهر هذه النوايا. ونتيجة لهذا التركيب المتردي فإن الأقوال تتناقض مع الأفعال، ويحدث ارتباك شامل للرأي العام وللقوى الاجتماعية المختلفة. وتظهر صورة هذه الطريقة من التفكير في الاستيلاء على الكويت الذي تم بشكل مفاجئ على الرغم من المفاوضات الدائرة وعلى الرغم من التصريحات الرسمية التي تتفق ظاهريا مع روح المصالحة والحلول السلمية.
ويوضح الأستاذ أحمد عباس صالح في تحليله لعقلية صدام والذي أخذناه عنه مع التركيز على ما يفسره في نهاية مقاله بذكره «يسود التفكير وفقا للعقلية التآمرية نتيجة للاعتقاد بأن التآمر هو الوسيلة الصحيحة للوصول الى السلطة». ولذلك فإنه عندما تصل جماعة الى السلطة بواسطة المؤامرة تظن ان الفضل في ذلك للتآمر المنظم، وبالتالي تتأكد هذه الطريقة في التفكير وتصبح هي الطريقة المعتمدة في كل القضايا.
ونتيجة لهذا تعتقد العقلية التآمرية ان السياسات العالمية تتبع الأسلوب نفسه، وهكذا يتعاملون مع السياسة الخارجية على انها وجهان، ولابد ان هذا كان تفسيرا لعدم تصديق حسين للتهديدات والإنذارات التي وجهها إليه المجتمع الدولي. ولعله قد ظن أن قرارات الأمم المتحدة وتصريحات الرئيس الاميركي الراحل جورج بوش أقنعة مزيفة لنوايا مغايرة تنطلق من العقلية التآمرية نفسها التي يتعامل بها. والعقلية التآمرية تحتقر آراء الناس البعيدين عن سلطات القرار، لذلك فإنها تقع في أخطاء مدمرة لحظة قراءتها للخطة الحربية لحرب الخليج التي نشرتها الصحف، ولكن عقلية صدام التآمرية ظنتها عملية تضليل لا تمت الى الحقيقة بصلة.
وهذا ما أدى إلى اندفاع العراق نحو الكارثة!
ولعل تلك العقلية التآمرية هي التي دفعت صدام حسين الى ان يغلف استعداداته النهائية لعملية غزو الكويت بستار قبول الوساطات العربية، والدخول في مفاوضات ثنائية من أجل تسوية الخلافات والمشكلات المصطنعة بين البلدين والتي كان آخرها لقاء جدة بين الجانبين الكويتي والعراقي، فقد جاء الهجوم الغادر في الليلة ذاتها التي عاد فيها الوفدان إلى بلديهما.