لسوء حظ العاملين في المجال الإنساني أنهم يتهمون بالتعامل مع النتائج، فيركزون عليها وعلى معالجتها، ويبذلون في ذلك أموالا طائلة، بما قد يدخل في نطاق الهدر و«النفخ في قربة مثقوبة»، متجاهلين العمل بالأسباب والجذور وبنهج استباقي منعي وقائي قد يمنع أو يخفف من حدوث النتائج، ويكفل الإدارة السليمة لأموال المانحين.
ولا يمكن إنكار الفوائد العديدة للتعاون مع المنظمات الأممية ولاسيما في بيئات الصراع وما بعدها مثل أفغانستان، ولكنني طالما تمنيت أن نجد في الحملات المليونية، التي تطلقها منظمات الأمم المتحدة بين حين وآخر، أن يكون هناك بند خاص لجملة من الإجراءات التي يمكن أن تقوم بها منظمات الأمم المتحدة للتأثير والمنع، بهدف تقليل النتائج والمخاطر والأضرار، وليس الاقتصار فحسب على معالجة النتائج، حتى ولو خصصت لهذا البند نسبة 10 أو 20% من هذه الحملات!
ونحن إذ نطالب منظمات الأمم المتحدة بذلك، فلأنها تختلف عن غيرها من المنظمات الخيرية غير الحكومية المحلية أو الدولية، ومسؤولوها في موقع يمكنهم من الهمس في آذان الأمين العام للأمم المتحدة ونائبه وأمنائه المساعدين واقتراح خطوات عملية، لاستثمار ما يملكه الأمين العام من منصب وحيادية، وما تملكه الأمم المتحدة من قوة معنوية ومادية، لمنع ما من شأنه أن يشكل خطرا على السلم والأمن الدوليين، وقد سبق للأمم المتحدة أن استخدمت القوة العسكرية لذلك بموجب الفصل السابع من ميثاقها.
إن منظمات الأمم المتحدة أقدر من غيرها على مطالبة الأمم المتحدة وأعضائها باتخاذ قرارات جريئة في الشأن الأفغاني، مثل الاعتراف بشرعية سلطة طالبان وليس مجرد الانخراط في علاقة معها على استحياء، وقد كنت قد تطرقت الى الموضوع في عدة مقالات ومنها: «دعهم يحكمون ينجحون أو يفشلون» لا أن يتم إفشالهم بلي ذراعهم واللعب بالمساعدات الإنسانية، ما الذي يمنع أن تذهب المساعدات الى حكومة طالبان التي استقر الأمر لها، فلم يعد كما كان في السابق ثورة بين نظام وشعب، وفي وقت ربما أدى فيه تدفق المساعدات خلال النزاع الى ترجيح كفة طرف على آخر، هناك حاجة الى تفكير جدي وليس جديد في الأمر حتى لا تتكرر المأساة، وأستحضر هنا ما ذكرة السفير عبدالله الدرداري في الحلقة النقاشية بشأن الوضع الاجتماعي والاقتصادي في أفغانستان، والتي دعت إليها وزارة الخارجية قبل أيام، حين أشار إلى تقرير الوكالة الألمانية للتنمية الدولية GIZ الذي تكلمت فيه عن تجربة أفغانستان في العشرين سنة الماضية، والتي كانت حصيلتها صفر، رغم إنفاق 2 تريليون دولار على بلد تعداد شعبه 47 مليونا، دون أن يتحقق تطور في أي مجال يذكر!
وقد كان من دروس هذه التجربة أن ما قاد أفغانستان الى هذا البؤس عدة أسباب: غياب الرؤية الوطنية لماهية التنمية في أفغانستان، وغياب منظومات قطاعية واضحة أو خطط متكاملة، ثم الاعتماد المطلق على المعونات الخارجية في غياب التمويل المحلي، رغم أن أفغانستان بلد غني لا يحتاج الى أحد، إن مؤشر نجاح المنظمات الإنسانية ومنها منظمات الأمم المتحدة ألا تعود أفغانستان وشعبها بحاجة إليهم!
ليست هذه دعوة لتقليل المساعدات أو التهاون فيها، ولكنها دعوة لترتيب الأولويات لصالح المستفيدين وإعادة الثقة بهذه الكيانات الأممية ودورها المهم والأهم والذي لا يقدر عليه غيرها، كما ذكرت في الحلقة بصراحة أمام السفير الدرداري، ولعل تصريح وزير الخارجية القطري قبل أيام ينقل ألم هذا المقال، حين قال إن «استمرار مقاطعة الغرب ليست هذه دعوة لأفغانستان والتركيز على الأنشطة الإنسانية من خلال الوكالات الدولية لا يخدم المحافظة على السلام هناك. المقاطعة تسببت في أزمة اقتصادية وهذا يؤدي إلى مزيد من التطرف وتفاقم الصراع، وهذا ما نسعى الى تجنبه».