دمشق - هدى العبود
من يشاهد الخارطة الفنية لأعمال البيئة الشامية التي تغزو الفضائيات السورية والعربية يدرك تماما ان هذه الاعمال لا منافس لها حاليا، والسبب يعود للمشاهدة الواسعة جماهيريا على مساحة الوطن العربي بل والعالم، واذا تمعنا بالحالة الدمشقية «أي الحياة لأهالي مدينة دمشق وبيئتهم» ندرك تماما أن هذه البيئة لا يمكن أن تدرس، ويجب على كل من يجسدها أن يكون ابن تلك البيئة التي اعتمدها الكثير من الكتاب ان تكون ملاذا لصراع شخصياتهم على حساب الاعمال المجتمعية التي تبحث عن تصور وتطلعات المشاهد السوري للأعمال المتلفزة للموسم الفني الرمضاني الجاري، والرغبة في الابتعاد عن الماضي والنبش بحكايات قد تكون خيالية او واقعية من خلال سردية الجدات والمقاهي التي كانت تقدم حكايات «الزير سالم» و«حرب البسوس» و«عنترة بن شداد» كما ان هناك بعض الأخطاء اللفظية التي تمر دون أن يدركها المشاهد باستثناء أهالي دمشق بمعنى «الشوام».
ويحفل هذا الموسم بالعديد من أعمال «البيئة الشامية» وغير الشامية التي تصدرت قائمة الإنتاج، ويأتي على رأسها مسلسل «ذئب العاصي الزند» الذي تمتع بقصة تاريخية مثيرة جسدت حياة الفلاحين في زمن الاقطاع والدولة العثمانية العلية وتسلطهم على الفلاحين الفقراء، لكن علينا ألا نغفل عن المتعة البصرية في العمل وتفاصيل تلك الحقبة من تاريخ سورية.
جسد الكاتب عمر أبو سعدة سيرة البطل الشعبي التي تعودنا على مشاهدتها خلال اعمال بيئة مغايرة، هذه المرة لحارات الشام، عبر «الزند - ذئب العاصي»، فتدور أحداث المسلسل الذي أخرجه سامر برقاوي، في ريف حمص ومدينتها، لنكشف حقيقة الصراع الطبقي من خلال الإقطاعيين (الآغاوات) وبين طبقة الفلاحين عبر قصة مشوقة تقود حبكتها شخصية الزند (تيم حسن) للانتقام لأبيه وسط انقلاب اجتماعي على سلطة العثماني مطلع القرن العشرين، وبروز شخصيات وطنية تنادي بالنهضة السياسية القومية، ويجسد بطولة هذا العمل الذي أنتجته شركة الصباح، النجم تيم حسن الى جانب الفنانة دانة مارديني، ورهام قصار، وباسل حيدر، وفيلدا سمور، ونهال الخطيب وآخرون.
«زقاق الجن»
تصدر مسلسل «زقاق الجن» صدارة أعمال البيئة الشامية للموسم الرمضاني، وهو من تأليف محمد العاص، إخراج تامر إسحاق، إنتاج ماهر برغلي، وتدور احداثه المرعبة من قلب العاصمة السورية دمشق في حي زقاق الجن الشهير خلال القرن التاسع عشر، ويتناول ظاهرة اختطاف الأطفال من الأحياء وقتلهم بالغابة مما أثار الرعب بين أهالي الحارات وأدى الى صراع دموي بين عائلات شامية ثرية صاحبة سلطان تحاول السيطرة على مقاليد الأمور وبين المهمشين، وكان أحدهم يقف وراء الاختطاف انتقاما منهم على الظلم والقهر الذي كان يعيشه، بينما تخيم أجواء الدسائس والمؤامرات على مجريات الأحداث التي يؤدي بطولتها أيمن زيدان وأمل عرفة وعبدالمنعم عمايري، وامارات رزق وشادي زيدان ووفاء موصلي وصفاء سلطان.
«مربى العز»
ولم تتوقف عجلة دراما البيئة الشامية للموسم الحالي، فقد كان الحظ الاوفر للمخرجة رشا شربتجي من خلال مسلسلين هما «مربى العز، حارة القبة ج 3» وتناولت من خلال «مربى العز» للكاتب علي معين صالح، إنتاج مجموعة «أم بي سي»، احداثا مثيرة ومخيفة ومرعبة دارت احداثها في عشرينيات القرن الماضي وتناولتها من خلال سردية حكاية ثلاث عائلات من كبار وجاهات وعائلات الشام، تواجه كل منها صراعا يقلب حياتها الى مأساة حقيقية جراء اختطاف أبناء زعماء الحارات الثلاث.
من أبرز الفنانين في «مربى العز»: عباس النوري، والذي يجسد شخصية شيخ الحارة ويحظى بالاحترام، وأمل عرفة التي تقدم دور الزوجة المغلوب على أمرها مع ضرتها، وخالد القيش المرعب الذي يقوم بخطف الأطفال، ومحمود نصر، وسوزان نجم الدين، ونادين تحسين بك، واللافت ان اعتماد أسماء عائلات دمشقية شهيرة مازالت حتى يومنا هذا في إشارة الى ان الاحداث موثقة.
«باب الحارة»
يرى عدد من النقاد والممثلين السوريين الذين يعلمون جيدا تاريخ مدينتهم، أن ما تقدمه الشاشات السورية والعربية على أنه دراما «بيئة شامية» ليس له علاقة لا من بعيد ولا من قريب بهذه البيئة، بل ما يقدم هو مسلسلات روائية لأحداث فلكلورية تستعرض بعضا من تاريخ تلك البيئة وتوظف المراحل الاستعمارية والبيئة الاجتماعية المنغلقة والتقليدية لضمان رواج المسلسلات حتى وإن تشابهت من حيث الطرح أو تناولت التاريخ بكثير من الاستهتار والسطحية.
بالإضافة الى الأخطاء الجسيمة من حيث تناول «الحتوتة» التي كانت تسردها الجدات للأحفاد قبل النوم او السير التي كانت تحكى في القهاوي الدمشقية الشهيرة كقهوة النوفرة خلف الجامع الأموي الشهير، او بقهاوي الاحياء الدمشقية مثل قهوة باب السريجة والشاغور والعمارة وشارع الأمين، حيث كان يسكن اليهود والشوام مع بعضهم البعض، لكن كاتب سلسلة «باب الحارة» بدءا من المخرج بسام الملا والكاتب مروان قاووق بالأجزاء الأولى كانت اخطاؤهم واضحة، فاعترض كبار رجالاتها ومثقفيها ووضحوا ان رؤساء المخافر (الكركون) جميعهم كانوا سوريين، من أجل التواصل مع الناس، وليسوا أتراكا او فرنسيين غرباء عن المجتمع لا يتكلمون اللغة العربية، وشاهدنا ذلك من خلال مداهمة الشرطة والدرك لبيوت السكان فقد كانوا يتكلمون مع الأهالي باللغة الفرنسية أو التركية، بالإضافة الى تشعب الحكايا والكتاب الذين لم يعايشوا تلك البيئة ولا جذور تربطهم بأهالي دمشق، لكن سلسلة «باب الحارة» حظيت بدعم خارجي من قبل شركات الإنتاج العربية الخليجية لدرجة ان هناك مدنا بنيت على غرار احياء دمشق العتيقة صورت فيها العديد من الاعمال وخاصة «باب الحارة» بأجزائه، وهذا ينطبق على مسلسل «مربى العز» و«حارة القبة» و«ليالي الصالحية» و«زقاق الجن» والقائمة تطول.
«حارة القبة»
عندما أعلنت المخرجة رشا شربتجي بأن قصة «عائلة أبو العز» لم تنته بعد، اذ نحن أمام تفاصيل وأحداث مثيرة للغاية تجلت من خلال الحلقات التي عرضت لذا كان المشاهد امام مسلسل ينتمي بامتياز لأعمال البيئة الشامية، و«حارة القبة 3» يشهد استكمالا لأحداث منزل «أبو العز» بعدما انتهى الجزء الثاني منه بانفصاله عن «أم العز»، وزواجه من «هيام»، التي دخلت حياته من أجل المال، والملاحظ من خلال الحلقات التي عرضت تصوير الرجل وكأنه وحش وهذا لاقى انتقادا شعبيا من قبل المشاهدين والنقاد الذين يتسمرون امام التلفاز ليكونوا رأيا عن أعمال البيئة الشامية التي شابها الكثير من المغالطات، وسبق ان وجهت انتقادات لاذعة من قبل النقاد والمثقفين والإعلاميين لكتابها.
ومسلسل «حارة القبة» عرض الجزء الأول منه في رمضان 2021، والجزء الثاني في رمضان 2022، أما الجزء الثالث فيعرض خلال الموسم الرمضاني الحالي، وهو من بطولة: عباس النوري، أمل عرفة، فادي صبيح، خالد القيش، شكران مرتجى، حلا رجب، نادين تحسين بيك، فراس ابراهيم، رنا شميس، نسرين الحكيم وآخرون، ومن تأليف أسامة كوكش.
«العربجي»
يقدم المخرج سيف الدين سبيعي رائعته عبر مسلسله «العربجي» تأليف الكاتبان عثمان جحا ومؤيد النابلسي، وتدور أحداث هذه الملحمة الشعبية التي أنتجتها شركة غولدن لاين، في زمن الاحتلال العثماني لبلاد الشام، وتتطرق لواقع صراع كبار تجار مدينة دمشق من تجار القمح والحبوب، ويسلط الضوء على الطبقة البرجوازية واحتكارها لموارد الشام وخيراتها، بينما يرزح الفلاحون والحرفيون والشغيلة تحت الاستعباد الطبقي والباشوات والمتصرفين الاتراك، لكن بقاء الحال ضرب من المحال، اذ يطل من بين جموع المقهورين بطل فقير خسر عائلته ومرغ بشرفه التراب يدعى عبدو العربجي (باسم ياخور)، والذي يقود تمردا على السلطات حاشدا جموع الفلاحين والمستضعفين في ثورة ضد العثماني وأعوانه، ويشارك ياخور في البطولة: ديمة قندلفت، روبين عيسى، مديحة كنيفاتي، ميلاد يوسف، سلوم حداد والقديرة نادين خوري والقائمة تطول..
يذكر أن هناك العديد من المسلسلات السورية صورت وكان من المقرر ان تلحق الموسم الرمضاني الحالي لكنها غابت منها مسلسل «مال القبان» لمؤلفيه علي وجيه ويامن الحجلي، وإخراج سيف الدين سبيعي، ويطل العمل بقوة على الشوارع الخلفية للحرب في سورية، ويقتفي أثر شخصيات تعيش أزمات خانقة في ظل تسلط أثرياء الحرب ومافيات تجارة الأعضاء البشرية والمخدرات. وغاب الجزء الثاني من مسلسل «كسر عضم» بعد انسحاب كاتب الجزء الأول منه علي معين صالح ومخرجته رشا شربتجي، بينما أصر منتجه إياد النجار عبر شركته «كلاكيت» على إنتاج موسم ثان منه، ومثله مسلسل «دوار شمالي» الذي لقي نصه لمؤلفه حازم سليمان معارضة من الرقابة في سورية.