بيروت - جويل رياشي
أطلقت الجامعة الأمريكية في بيروت في نهاية 2023 «مرصد الحوكمة الرشيدة والمواطنة» وهي مبادرة مخصصة لاستكشاف المواطنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وارتباطها بالحكم الصالح.
ويركز المرصد على أساسات الحكم الصالح والهجرة والدساتير، ويهدف إلى تقديم رؤى شاملة حول المواطنة، وتثقيف صناع السياسات، وتمكين المواطنين، وتعزيز الحوار. ويطمح إلى أن يكون منصة معترفا بها عالميا تدعو إلى التحول الاجتماعي الإيجابي والاشتمالية والإنصاف والاستدامة. اما الهدف النهائي للمرصد فهو إقامة مجتمع يكون فيه المواطنون مطلعين ومتفاعلين ومساهمين بنشاط في القيم الديموقراطية وحقوق الإنسان والهناء المجتمعي.
«الأنباء» التقت المدير المؤسس للمرصد الباحث والمحاضر في العلوم السياسية د. سيمون كشر للحديث عن أهمية المرصد والاهداف التي ينوي تحقيقها.
يطرح المرصد عناوين لافتة مثل المواطنة وتثقيف صانعي السياسات وتمكين المواطنين وتعزيز الحوار على مستوى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وليس فقط لبنان. ما هو دور المرصد في هذه المساحات؟
٭ المبادرة بحت اكاديمية، تعمل من خلال الأبحاث والندوات وكل الأطر الموجودة في المؤسسات الاكاديمية. وهي مكرسة لاستكشاف فكرة المواطنة في المنطقة أي لبنان والشرق الاوسط وشمال افريقيا، وعلاقتها بعملية الحوكمة الرشيدة في بلدان المنطقة. الهدف الأساسي من المرصد هو دراسة الأسس التي تصيغ المواطنة الفعالة وفهم دينامياتها ونشر النتائج. والتركيز سيكون على أسس رئيسية أبرزها: الحوكمة الرشيدة بما في ذلك إصلاحات القطاع العام والتعليم والهجرة وسن القوانين والدساتير والأنظمة. أما الهدف الرئيسي فهو توفير رؤية جوهرية حول المواطنة والحوكمة الرشيدة لأصحاب الاهتمام المعنيين وذلك من اجل تثقيف صناع السياسات العامة وتمكين المواطنين ودعم الحوار بينهم. ومن خلال البحوث والدعم سيعمل المرصد على تعزيز ثقافة المواطنة النشطة والمسؤولة وعلى الدفع بالتحول المجتمعي الإيجابي ووضع ركائز لمجتمع أكثر اشتمالا وانصافا. ومن اهداف المرصد ايضا: أولا: تمكين المواطنين ليصبحوا مطلعين ومشاركين نشطين في مجتمعاتهم وفي إجرائيات الحوكمة، ثانيا: طرح مبادئ الحوكمة الرشيدة والابتكار في القطاع العام في ابعادها السياسية والمؤسساتية والإدارية، ثالثا: انتاج تحاليل قائمة على أدلة وتوصيات واستراتيجيات لتعزيز الحوار حول إعادة تشكيل المواطنة والحوكمة الرشيدة، ورابعا تشكيل بوطقة من الخبراء والممارسين وصناع السياسات ومنظمات المجتمع المدني مما يسهل الحوار الهادف والتعاون فيما بينها. وخامسا، انتاج معارف ومواد تعليمية حول المواطنة والحوكمة الرشيدة.
ثمة تداخل إلى حد ما بين هذه العناوين وطروحات تتقدم بها غالبا منظمات غير حكومية. ما الفارق بين دور المرصد ودور منظمات كهذه؟ وما الذي يمكن لمؤسسة أكاديمية نخبوية أن تقدمه بشكل مختلف عن منظمات تكون أكثر اتصالا بمجتمعها؟
٭ لابد من القول اننا كمرصد نعمل ضمن مؤسسة تعليم عال وهي الجامعة الأمريكية في بيروت وهي الجامعة الأولى في المنطقة والأعرق ـ عمرها يقارب الـ 160 عاما ـ أي اننا كمرصد معنيين فقط بالأبحاث واطارنا اطار اكاديمي، ولكن هناك طبعا تنسيق مع جهات أخرى وشركاء ومؤسسات مجتمع مدني.. الفرق اننا خلية اكاديمية موجودة في جامعة. ويطمح المرصد إلى ان يصبح منصة مرجعية معترف بها عالميا في مجال الأبحاث حول المواطنة والحوكمة الرشيدة ومناصرا قويا للتحول الاجتماعي الإيجابي والاشتمالية والمساواة والاستدامة. ويضع المرصد نصب عينيه واقعا تعليميا يغذي الشعور بالمواطنة ويعزز المشاركة المدنية بين الطلاب ويمكنهم من المساهمة إيجابيا في تطوير مجتمعاتهم. في هذا الإطار، تعتبر العلاقة بين التعليم والحوكمة الرشيدة والمواطنة أمرا أساسيا اذ يلعب التعليم دورا حيويا في انهاض مواطنين مسؤولين. ان نظاما تعليميا متزنا يعزز التفكير النقدي والوعي الاجتماعي والتعاطف مما يمكن الافراد من ان يكونوا مشاركين مطلعين ونشطين في العملية الديموقراطية. واضافة إلى ذلك، يمكن للتعليم ان يعزز التماسك الاجتماعي من خلال الشعور بالهوية الوطنية والقيم المشتركة.
يضع المرصد هدفا أقصى هو تأسيس مجتمع يكون فيه المواطنون «مطلعين، منخرطين، ومساهمين فاعلين في القيم الديموقراطية، حقوق الانسان، والرفاه الاجتماعي». هل ترون أن هذه المفاهيم محققة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ليصبح المواطنون مساهمين فاعلين فيها؟
٭ هذه المفاهيم ليست محققة ـ إلى حد ما ـ في المنطقة، ولو كانت محققة لما كنا فكرنا بإنشاء مرصد كهذا. بإمكاننا القول ان هذه المفاهيم غير كاملة في تطبيقها. وفي هذا الإطار، سيقف المرصد كمدافع عن المبادئ الديموقراطية وذلك يشمل أسس تعزيز المواطنة وسيادة القانون والاشتمالية ومكافحة الفساد التي تعتبر أسسا حيوية لتحقيق الحوكمة الرشيدة. وهذه مبادئ يتردد صداها بعمق في الدائرة الاكاديمية للجامعة الأمريكية في بيروت حيث يعلو تقليد مزمن لرعاية هذه القيم. سيطور المرصد علاقة شراكة تعاونية مع عدة فرقاء منها جامعة القديس يوسف ومؤسسة فؤاد شهاب وشركاء آخرين في الداخل اللبناني وخارجه. ومعلوم ان تاريخ المواطنية يهيمن عليه الاقصاء عادة خصوصا في منطقتنا، ويأتي على شكل انكار للحقوق والكرامة وفي بعض الحالات حتى انكار للصفة البشرية.. وكجزء من مبادئ التنوع والانصاف، يتبنى المرصد تعريفا شاملا للمواطنة حيث يعتبر جميع السكان الدائمين او المؤقتين مواطنين ويجب ان يمنحوا حقوقا متساوية. وتجدر الإشارة هنا إلى ان العمل على خلق مبدأ الدولة البانية للمواطنية وفي نفس الوقت المواطنية البانية للدولة هو مبدأ عمل على تطبيقه الرئيس فؤاد شهاب، من هنا تأتي فكرة التعاون مع مؤسسة فؤاد شهاب.
سبق لجامعة القديس يوسف أن أنشأت مرصدا شبيها للمرصد الجديد. هل تدرسون مجالات التعاون بين المرصدين؟ وبرأيكم ماذا يمكن لمرصد الأمريكية أن يضيفه إلى مرصد اليسوعية؟
٭ طبعا ندرس مجال التعاون بين المرصدين، وسبق لنا ان عقدنا جلسة عمل طويلة مع البروفسور باسكال مونان وفريق عمله، وهذا امر طبيعي خصوصا في إطار التحالف الأكاديمي بين الجامعتين ومذكرة التفاهم الاكاديمية الاستراتيجية التي وقعت في المرة الأولى في العام 2018 وتجددت في أواخر العام 2023. ماذا يضيف مرصد الأمريكية إلى مرصد الخدمة العامة في اليسوعية؟ نحن نسعى إلى التكامل أكثر من الإضافة. ولكن نحن نربط مسألة الحوكمة الرشيدة مع المواطنة بطريقة مباشرة كما سبق ان حددت ضمن الأسس الثلاثة أي التعليم والمواطنة، والهجرة والمواطنة، والقوانين والمواطنة. قد تكون الإضافة هنا ضمن هذه الأسس الثلاثة.
قال د. فضلو خوري ان المرصد هو «أكثر من مبادرة أكاديمية، بل يمثل تحركا نحو تغيير اجتماعي عميق». كيف تعتزمون القيام بذلك؟
٭ لا أخفي سرا ان قلت ان رئيس الجامعة د. فضلو خوري هو العراب الأساسي لولادة هذا المشروع وقد دعم كل خطوات ما قبل الولادة إلى حين إطلاق المرصد. كلمته في حفل الافتتاح كانت واضحة في التركيز على بناء المواطنين بدلا من بناء القادة. بناء القادة مهم جدا، ولكن بناء المواطنين اهم. من هنا أتت فكرة المرصد، ومن هنا سيتميز عن غيره وسيمثل تحركا نحو تغيير اجتماعي عميق تحت جناح الجامعة الأميركية في بيروت التي تحمل رسالة ابعد من التعليم والتدريس. الهدف هو تطوير هذه الرسالة لكي نتمكن من العمل على تطوير مجتمعات المنطقة وليس فقط طلابها. وهنا لا ننسى شعار الجامعة الأساسي المحفور على مدخلها الرئيسي «لتكون لهم حياة وتكون حياة أفضل».