«هذا أنا» ليس عنوانا لتلك الأغنية المعروفة للمطرب المحلي المشهور، ولا اسما لأحد الأفلام أو مسلسل درامي استهدى مؤلفوه لهذا العنوان، بل لمشاهد فيديو تظهر لنا مقاطع لشخصيات يعرفون أنفسهم بعبارة «هذا أنا» منهم.. الطبيب، المهندس، المحامي، المدرس، المحاسب، وغيرهم، وهم من كانوا يوما أطفالا أيتاما ترعاهم الجمعية الإندونيسية الكويتية الخيرية التي قامت على رعايتهم وتربيتهم وفق المناهج التربوية الحديثة المعتمدة من قبل وزارة التربية ووزارة التعليم الإندونيسية وتطبيق البرامج التأهيلية التي تهدف إلى تنشئهم التنشئة الدينية والاجتماعية التي تتطلع لها كل أسرة صالحة لأبنائها.
هذه الرعاية تنفذها الجمعية بدعم كامل من أهل الخير من محسنين ومتبرعين كرام من بلدي الكويت. كاتب السطور تشرف بزيارة هذه الجمعية في إندونيسيا للاطلاع على أحوالهم عندما كانوا في مراحل طفولتهم المبكرة، فكانت أعمارهم حينها لا تتعدى سنواتها الأربع أو الخمس، فكانت جولاتنا التفقدية تنصب على مكان إقامتهم ومعيشتهم وفصولهم الدراسية ومواقع الترفيه فيها، بيد أن برامج الرعاية وخطة تربيتهم وتأهيلهم اعتمدت على استراتيجية أقل ما يمكن أن أصفها بأنها أستراتيجية رعوية فائقة المستوى.
كنت أشعر حينها بإصرار القائمين على رعايتهم على بناء جيل واعد يؤمن بربه متمسك بعقيدته، سلاحه التوحيد ومنهجة القرآن والسنة، هداه الإسلام وقيمه التقوى.
كم هو عجيب أمر تلك المؤسسات التي ترعرعوا فيها، فهي عبارة عن أسر بديلة، مصطنعة، تتكون من «أب» المشرف و«أم» المشرفة أو المربية و«إخوة» للأيتام يكبرونهم سنا، جلهم يؤدون أدوار الأسرة البديلة، يتغير الأب (قسرا) بسبب ساعات العمل، كما تتغير الأم كذلك، فأي حنان وحب وعاطفة ترضعه تلك الأم البديلة، وأي أمان وطمأنينة يغذيها ذلك الأب البديل الذي ينتهي دوره مع نهاية ساعات العمل، وأي حضن وصدر حنون يتلقفهم عند البكاء أو الاصطدام بغرابيل الزمان، فالدموع المنهمرة لا تقبل ولا تنتظر دوران عقارب الساعة ولا تعاقب ثوانيها أو تعداد دقائقها لتجف، حتى الخاطر المكسور، تتفتت بقاياه على فراش اليتم، جبره لا يلتئم إلا بأنفاس من كان برحمها، فكيف اكتملت نشأة هؤلاء الأيتام وتحقق ذلك التوافق النفسي والاتزان الاجتماعي وقدراتهم الذهنية والإدراكية؟
الإجابة ـ كما يبدوا ـ نجاح ذلك البديل من أفراد الأسر المصطنعة سابق ذكرهم. فظهروا لنا في تلك المقاطع التي قدموا أنفسهم بعبارة «هذا أنا ولدكم يا أهل الكويت، منا الطبيب فلان وهذا أنا ولدكم المحامي فلان والمهندس ولدكم فلان.. الخ» يقولونها بكل فخر واعتزاز وشموخ، قرأت على وجوههم رسائل عدة وأنا أتابع حفل أقيم لنا الأسبوع الماضي خلال زيارتنا لمجمع الأيتام في قرية المغفور له بإذن الله سمو الأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد، طيب الله ثراه، في منطقة قاروت، عبروا لنا عن أن خير أهل الكويت والإصرار والتحدي أعانهم على ترسيخ إيمانهم بالله، وعقيدة التي لا تقبل التأويل، وعزيمة تغذت بنصيب كتبه الله لهم.
أما الرسالة الأخيرة فتبعثرت كلماتها وحروفها، وجمعها إصرارهم عندما استنطقتها عزيمتهم: شكرا أيها الكويتيون على سخائكم، أنتم آباؤنا، وأمهاتنا، وإخواننا، وأهلنا عندما عز علينا الأهل، فلولاكم من بعد الله لما وقفنا اليوم نقول لكم «هؤلاء نحن» الذين حرمتهم الدنيا ومنعتهم استنشاق أنفاس والديهم، نتدثر بكريم عطاياكم ونتوسد عطف اهتماماتكم ورعايتكم، فلولاكم من بعد الله لما وقفنا أمامكم اليوم فخورين كأطباء، مهندسين، محامين.. نتباهى بأنفسنا «هذا أنا»، رحم الله والدنا أمير الانسانية، لكم منا الدعاء.. والى أبينا الروحي مشرف عام الجمعية م.أحمد الهولي حبنا الأبدي.. مدركين أنه لا يكفي.