- الخراز: واجب ومطلب شرعي وعلى الساعي للصلح أن يتحلى بالحكمة والعدل في صلحه
- الشطي: الإصلاح بين الزوجين مسؤولية جماعية تبدأ من الوعي وتترجم إلى مواقف وتنتهي
- باستقرار يثمر أمناً اجتماعياً مستداماً ووسائل التواصل ساهمت في إضعاف لغة الحوار
قال الله عز وجل: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)، ومع ذلك نجد تزايدا كبيرا في حالات الطلاق والتفكك الأسري، لذا كان إصلاح ذات البين بين الأزواج هو السبيل لتماسك الأسرة. وعن سبل الإصلاح يحدثنا علماء الشرع.
يؤكد د.خالد الخراز أن الإصلاح بين الزوجين واجب ومطلب شرعي، قال تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة»، قال تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير وأُحضرت الأنفس الشح وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا).
وبين د.الخراز أن الإسلام دائما يعمل على وأد أسباب الشقاق والخلاف في المجتمع الإسلامي، والأسرة المسلمة هي نواة المجتمع فإذا صلحت صلح المجتمع، ولذا اهتم الإسلام برأب الصدع الذي ينشأ في هذا البنيان. وقد مدح الله عز وجل الساعين إلى الإصلاح بين الناس عموما وجعل إصلاح ذات البين من أفضل القربات فقال سبحانه: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما). وبسؤال د.الخراز: هل يجوز الكذب للإصلاح بين الزوجين، قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمورا يجوز فيها للمرء أن يكذب فيها للإصلاح بين الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا ويقول خيرا» وفي حديث أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط رضي الله عنها، قالت: ولم أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يرخص في شيء مما يقول الناس انه كذب إلا في ثلاث: الإصلاح بين الناس والحرب وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها»، رواه مسلم.
وأكد أن الساعي للإصلاح أن يتحلى بالحكمة وأن يتحرى العدل في صلحه فلا يميل لأحد الزوجين فيظلم الآخر فيتحول من مصلح الى ظالم.
من جهته، قال د.بسام الشطي ان الإصلاح بين الزوجين ضرورة اجتماعية ومسؤولية وطنية في زمن تتسارع فيه إيقاعات الحياة، وتتعاظم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، باتت الأسرة أول المتأثرين وأسرعهم انكسارا، ولم يعد الخلاف الزوجي شأنا خاصا يغلق عليه باب البيت، بل تحول في كثير من الحالات الى قضية ذات أثر مباشر على الاستقرار الاجتماعي، والأمن النفسي للأبناء، وتماسك المجتمع بأسره.
إن الإصلاح بين الزوجين لم يعد ترفا أخلاقيا، ولا مبادرة موسمية تستدعى عند تفاقم النزاع، بل أصبح ضرورة اجتماعية تتطلب تضافر الجهود، ومشاركة واعية من جميع الأطراف: الأسرة، والمؤسسات الدينية، والجهات التربوية، والإعلام، بل وحتى الأصدقاء والمحيط الاجتماعي القريب.
فالخلافات الزوجية - في أصلها - أمر إنساني لا يخلو منها بيت، لكنها حين تترك دون احتواء او حكمة، تتحول من خلاف عابر الى شرخ عميق، يخلف وراءه أبناء مضطربين، وأسرا مفككة، وتكلفة اجتماعية باهظة تدفعها الدولة والمجتمع معا.
وقد وعى التشريع الإسلامي - منذ قرون - خطورة هذا التفكك، فجعل الإصلاح مقدما على الفصل، ودعا الى التدخل الحكيم قبل الوصول الى الطلاق، إدراكا منه ان الطلاق وإن كان مباحا، إلا انه آخر الحلول لا أولها، وهذه الرؤية المتوازنة لا تتعارض مع القوانين الحديثة، بل تتقاطع معها في جوهرها الإنساني والاجتماعي.
ومن الخطأ الشائع حصر مسؤولية الإصلاح في الزوجين وحدهما، وكأنهما يواجهان العاصفة بلا سند. فالإصلاح الناجح يحتاج الى بيئة داعمة، ويحتاج الى أسرة واعية لا تؤجج الخلاف ولا تنحاز بلا بصيرة، وأكد ان الإعلام مسؤول لا يهوّن من شأن الانفصال ولا يقدمه كحل سهل وسريع، وأيضا مختصين مؤهلين في الإرشاد الأسري والنفسي، وكذلك مؤسسات رسمية وأهلية تتبنى برامج وقائية لا علاجية فقط.
كما ان ثقافة «الانتصار للنفس» على حساب بقاء الأسرة، وثقافة تضخيم الخلافات عبر وسائل التواصل، ساهمت في إضعاف لغة الحوار، وتقليص مساحات التفاهم، حتى صار الطلاق في بعض الحالات خيارا متعجلا لا ضرورة حتمية.
مبادرات وطنية
وأكد ان الكويت، بتاريخها الاجتماعي المتماسك، وقيمها الأسرية الراسخة، مؤهلة لأن تكون نموذجا رائدا في تعزيز ثقافة الإصلاح الأسري، من خلال مبادرات وطنية، وحملات توعوية، وتشريعات داعمة، تعيد للأسرة مكانتها كلبنة أساسية في بناء المجتمع.
ولفت الى ان الإصلاح بين الزوجين ليس انتصارا لطرف على آخر، بل انتصار للأسرة، وللأبناء، وللمجتمع كله. وهو مسؤولية جماعية، تبدأ من الوعي، وتترجم الى مواقف، وتنتهي باستقرار يثمر أمنا اجتماعيا مستداما.