ـ ما ذكرياتك مع رمضان الشهر الفضيل؟
ـ هل رمضان قبل غير؟!
ـ عبارة نسمعها ويتداولها الناس هنا وهناك فما حقيقتها؟
ـ الكويتي القديم حرص على صلة الأرحام والخلف أضاعوها..
ـ الكويتي العتيج اعتبر رمضان تجارة مع الله عز وجل.
ـ رمضان شهر الطقوس والشعائر والإيمانيات وله نكهة خاصة في الأمصار والبلدان تميزه عن بقية شهور السنة.
ـ رمضان شهر طاعة وعبادة، فيه موروث وطقوس جميلة ومخصص للعبادة والتنافس في ختم القرآن الكريم.
- رمضان زمان يبهرك بديوانياته وبحلو عبارة الناس وهي تتبادل «التهنئة» التي لها دلالة ومعنى عميق «مبارك عليكم الشهر»!
- رمضان سيد الأوقات والشهور وموئل الرحمات والحبور.
- إنه شهر الموازنات والمكرمات والرحمات في «ديرة الخير» الكويت.
دعني آخذك في «رحلة بانورامية» في إبحار رمضاني زمني لأستعرض معك من «الذاكرة» الجميلة ما جرى في «الزمن الجميل» ولايزال عبق هذا الشهر الفضيل يلف بلدي الكويت وشعبها المضياف الكريم في ظل عطاء خيري لا ينضب وعادات وتقاليد رمضانية أصيلة، ربي ما يحرمنا منها!
نحن جيل الخمسينيات والستينيات فتحنا عيوننا ورمضان يتقدم بمعدل 11 يوما بالنسبة للسنة الميلادية، وبمعنى آخر يتقدم شهر رمضان كل 3 سنوات شهرا واحدا تقريبا، ولهذا السبب يختلف موعد بدء شهر رمضان في كل عام بالنسبة للتقويم الميلادي، بناء على ذلك بين الفصول الأربعة.
لقد تعلمنا أن اسم رمضان مأخوذ من اشتداد الحر، أما تسمية رمضان فجاءت من الأصل (رمض) وهي شدة الحر.
وكنا نتعلم من الأجداد والآباء عن حرمة الأكل في نهاره حتى الفطور وقد كنا في الكويت القديمة نختزن الكثير من ذكرياتنا، فالكثير منا ومن عاش معنا في الزمن الجميل شاهد ورأى بعينيه كيف تستعد الأسرة الكويتية لشهر رمضان وتجهز مطبخها بالماچلة: عيش ـ هريس ـ جريش ـ محلبية ـ كسترد ـ الڤيمتو ـ شربت بيذان ـ طحين حق اللقيمات ـ سمن عداني ـ زعفران ـ ماء اللقاح للشاي اللي يقند الراس وبهارات واليدام (لحم ـ دجاج ـ سمك ـ طحين ـ فقع).
كان والدي، رحمه الله، يشتري حزما من «السعف» ـ جريد النخل اليابس ـ لخبز الرقاق وعمل اللقيمات وصب القفشة، وكان يتصدر المائدة رز العنبر العراقي وريحته تملأ البيت عند طبخه، والتشريبة، وما أدراك ما التشريبة.. بامية ولحم!
في رمضان زمان: نأكل القدوع وهي أنواع من التمر ونشرب الشوربة، ثم نذهب إلى المسجد للصلاة، ثم نجتمع على الفطور وتكون الأسرة قد أدت صلاة المغرب، وبعد تناول الفطور نشرب «الشاي ـ القهوة» أو شربت الڤيمتو والبيذان واللبن ثم نذهب لنصلي التراويح أو القيام في العشر الأواخر، وتبقى «الغبقات» خصلة رمضانية جميلة ومائدة عامرة بالثمرات والخيرات.
يتبادل الجيران النقصة وهي ماعون من طباخهم أو شيء حلو مثل العصيدة أو الشنيالي والبلاليط والفاكهة.. رقي ـ بطيخ ـ برتقال ـ موز ـ تفاح.
كان تلفزيون الكويت الأبيض والأسود ومن بعده «الملون» يطل علينا من شاشته مشايخنا الأجلاء الشيخ علي الجسار والشيخ عبدالله النوري، وأحمد فراج في برنامج «نور على نور»، والشيخ علي الطنطاوي، وسنوات كثيرة كان إمامنا في مسجد القملاس بالقادسية الشيخ محمد المطر أو نجله «عبدالرحمن» بوفهد ـ رحمهم الله ـ وأيضا رجال الدين من الكويت والأقطار العربية، وكانت المساجد تمتلئ بالمصلين لأداء صلاة التراويح والقيام، وفي الثمانينيات برز الشيخ راشد الحقان والشيخ حسن طنون والشيخ عبدالله السبت ووليد الدليمي وطايس الجميلي، وآخرون رحلوا، رحمهم الله.
كانت المساجد تمتلئ بالكبار من المصلين والشباب والأطفال وبعضهم كان يعتكف في العشر الأواخر، وكان كثير من جيران المسجد يقدمون الأطعمة والأشربة للمصلين المعتكفين أو عابري السبيل.
وفي النصف الأول من شهر رمضان يحتفل أهل الكويت بالقرقيعان، حيث يخرج الشباب والصغار ومن مختلف الأعمار الصبيان والبنات ويدورون على البيوت ويقولون: سلم ولدكم يا الله، خله لأمه يا الله، والبنات تقول: قرقيعان وقرقيعان بيت قصير ورميضان.. ويعطون القرقيعان وهو عبارة عن «مكسرات وحلويات» وبعضهم يضعون نقدا ماليا معدنا أو ورقيا.
من أجمل ما توارثناه من أهلنا عادة قديمة تسمى «النافلة» كانت توزع الاثنين والخميس على الجيران والفقراء وهي دافعة بلاء وصدقة وإنفاق خيري، في الزمن الجميل كانوا يؤجلون مراسم الزواج لما بعد رمضان!
من جميل هذا الزمن الجميل ان تلفزيون الكويت ينقل لنا «الواردة» صوت المدفع من قصر نايف كل يوم ولا يزال مع تهليل الناس وتكبيرهم يتبعه أذان المغرب وسط فرحة الصائمين.
طبعا عشنا رمضان المعظم في الزمن الكوروني ورأينا فلسفة التعبد والتوحد في جائحة كورونا وسمعنا عبارة صلوا في رحالكم! وسط الشجون والدموع وعرفنا كنهة الصيام في زمن كورونا! حتى صرخنا:
يا كورونا ما أحوجنا إلى رمضان.. طوال الجائحة!
مازلت أشعر بحنين لمنحاز أمي ورحاتها وماعينها وقريشها.. يا مال الجنة يا أمي رب ارحمها ووالدي كما ربياني صغيرا.
يا حلو جيران قبل، يا زينهم ويا حلو عشرتهم، هم والله كالأهل وأحيانا أطيب!
مازلت أتخيل ابوطبيلة وهو ساهر الليالي في السابق قائلا: قم يا صايم واطلب ربك الدائم.
وخير من قلد هذا الدور جارنا في منطقة القادسية «بوجسوم»، رحمه الله.
غابت بانوراما جميلة من عبق الماضي وحلت أشياء وصور وتقاليد مستجدة منها الآن التمثيليات والمسلسلات وسيطرة الإنترنت بكل أذرعه من «إكس» (تويتر سابقا) وفيسبوك وانستغرام.. على كل أوجه رمضان العبقة!
وهكذا الحال، دوام الحال من المحال فاستعدوا للتغيرات الرمضانية، والحكماء يقولون: خير الأمور الوسط وشر الأمور الشطط!
تبقى النصيحة: في رمضان عزيزي القارئ الكريم أغلق كل شيء وافتح أبواب الخير وتخلص من الطاقات السلبية وتفاءل خيرا تجده وسارع إلى عمل الخيرات.
هنيئا لمن فطر ضيوف الرحمن في مائدة من عابري السبيل والفقراء والمعوزين، وحفظ الله كويتنا أميرا وولي عهد وحكومة وشعبا ووافدينا الكرام.. مبارك عليكم الشهر وعساكم من عواده.
صوما مقبولا وإفطارا هنيئا شهيا، وكل سنة وأنتم طيبون والكويت وحكامها وأهلها وناسها بألف خير.. وتستمر الحياة.