- د.الشطي: الصائم قد يقع في الذنب لا لأن الشيطان أغواه بل لأن النفس لم تُهذب بعد
- الجميعة: تصفيد الشياطين لا يمنع من حركتها فهي تضل من تضل
- المهيني: في رمضان حين ينام القلب تعود الذنوب ولو قيد إبليس نفسه
نرى بعض المسلمين يرتكبون الذنوب والمعاصي في شهر رمضان، هذا الشهر الذي تُصفد فيه الشياطين وتفتح فيه أبواب الجنان.
ويتساءل البعض كيف يقع المسلم في الذنب رغم تصفيد الشياطين؟
يشرح لنا د.بسام الشطي معنى التصفيد، فيقول: ثبت في الحديث الصحيح أنه «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين» (رواه البخاري ومسلم).
لكن العلماء بينوا أن التصفيد له معان متعددة:
1 - أنه خاص بالمردة من الشياطين، أي كبارهم وأشدهم أذى.
2 - أنهم يصفدون فلا يقدرون على الإغواء كما قبل رمضان، لكن تأثيرهم لا ينعدم تماما.
3 - أن المعاصي التي تقع إنما هي من النفس الأمارة بالسوء، أو من العادة، أو من شياطين الإنس.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم»، فإذا ضيق عليه بالصوم والطاعة، بقيت النفس بما فيها من شهوات قديمة، وطبائع، وعادات تحتاج الى مجاهدة.
وزاد: والخلاصة أن الصائم قد يقع في الذنب لا لأن الشيطان أغواه، بل لأن النفس لم تُهذب بعد، أو لأن الهوى والعادة ما زالتا تعملان، أو لأن شياطين الإنس تزين له الباطل، أما الصوم الصحيح الخالص لله فإنه يضعف كل ذلك، ويجعل العبد أقرب للطاعة والصفاء.
وأكد أن شياطين الإنس أشد خطرا على الإنسان من شياطين الجن، لأن شيطان الجن حين نستعيذ بالله منه ينصرف عنا، أما شيطان الإنس فهو ملازم ذلك إلا إذا اجتنبته، فعلى المسلم أن يتعلق بذكر الله، وأن يعلم أن ما يعينه على الطاعة ومقاومة الشيطان والمعاصي الرفقة الصالحة ومجالسة العلماء والاجتهاد في طاعة الله تعالي، فإن كيد الشيطان ضعيف.
لا يمنع حركتها
ولماذا يذنب الصائمون رغم تصفيد الشياطين، يقول د.جلوي الجميعة: يمتاز شهر رمضان بأنه شهر العبادة، صيام وصلاة نوافل وتهجد وصدقات وزكوات وقراءة للقرآن به يرق القلب وفيه تتنزل الرحمات وتتآلف النفوس، فيزود الصائمون من الأجور المضاعفة في نهاره وليله فيزدادون بعدا عن المعاصي فلا ينافي ما ثبت من أن الشياطين تصفد في رمضان لأن تصفيدها لا يمنع من حركتها فتكون حركتها ضعيفة أو أنه يصفد المردة منها فقط، ولذلك جاء الحديث: «ويصفد فيه مردة الشياطين فلا يخلصون إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره» رواه أحمد (7857) والحديث ذكره الألباني من ضعيف الترغيب (586)، وقال: ضعيف جدا.
ولفت الجميعة الى أنه ليس المراد أن الشياطين لا تتحرك أبدا، بل هي تتحرك وتضل من تضل، ولكن عملها في رمضان ليس كعملها في غيره، والله أعلم.
ويجيب د.صلاح المهيني على سؤالنا: لماذا يقع الإنسان في المعاصي في رمضان رغم تصفد الشياطين؟
فيقول: يظن بعض الناس أن الشيطان هو وحده مصدر الشر في النفس البشرية، فإذا قيد في رمضان، وجب أن تسكن الأهواء وتختفي المعاصي، وكأن الإنسان صفحة بيضاء لا تحركها إلا وسوسة من الخارج، لكن الحقيقة أعمق من ذلك وأخطر.
ففي داخل كل إنسان شيطان آخر، يسكن في زوايا القلب، يتخفى في رغبات النفس وشهواتها، في حب الذات، وفي العادات التي تراكمت عبر السنين، ذلك الشيطان لا يصفد إلا بالإيمان، ولا يُغل إلا بمجاهدة صادقة.
رمضان ليس شهرا تكبل فيه الشياطين فحسب، بل شهرا يُكشف فيه الغطاء عن معركة الإنسان مع نفسه، فإذا سقط العبد في الذنب بعد أن غُل العدو الخارجي، علم أن العدو الحقيقي في داخله، وأن الشيطان لم يكن سوى حليف خارجي لهوى دفين.
إن الله يريد من عباده أن يدركوا في هذا الشهر أن الفتنة الكبرى هي فتنة النفس، وأن الطريق الى النور لا يمر عبر قيد للشيطان، بل عبر العتاق من أسر الهوى.
قال تعالى: (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها).
في رمضان لا تسكن المعصية لأن الشيطان غاب، بل لأن القلب استيقظ، وحين ينام القلب، تعود الذنوب، ولو قيد إبليس نفسه.