بيروت – ناجي شربل وبولين فاضل
متكئا على الثوابت اللبنانية الوطنية والعربية، اتخذ الرئيس اللبناني العماد جوزف عون القرار الشجاع بإرساء الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل إلى سلام حقيقي ودائم يريد أن يصنعه لبلده.
وكانت أولى معالم هذه الرغبة العارمة بالسلام حين بادر عون إلى إطلاق مبادرة التفاوض المباشر مع إسرائيل التي وافقت عليها أخيرا، فتم التواصل الثلاثي الثلاثاء في واشنطن قبل أن يرفض الرئيس عون وعملا بالثوابت الوطنية الحديث هاتفيا إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
غير أن إنتزاع ترامب وقفا لإطلاق النار من إسرائيل تلبية لإصرار الرئاسة الأولى، سيجعل الرئيس عون لا يفوت دعوة ترامب له لاستقباله في البيت الأبيض إلى جانب نتنياهو في خلال الأسبوعين المقبلين للدفع في إتجاه السلام.
في أي حال، يشهد للرئيس جوزف عون حرصه على النسيج اللبناني وخصوصيته وعلى الوحدة الوطنية، وأيضا على التعامل من الند إلى الند مع الراعي الأميركي الذي وضع كل ثقله أخيرا على خط الملف اللبناني الشائك، وهذا ما كان موضع تقدير من قبل الرئيس اللبناني الذي حرص أيضا على تثمين جهود كل المجموعة العربية التي صبت لصالح لبنان.
وبالتوازي، ثمة حرص عربي ودولي على مساعدة لبنان الذي يستعيد حضوره المؤسساتي الرسمي كدولة لم تخرق مرة اتفاقية الهدنة منذ العام 1949.
رئيس الجمهورية العماد جوزف عون قال أمام وفد من نواب بيروت في قصر بعبدا: «المفاوضات المباشرة دقيقة ومفصلية. والمسؤولية الوطنية يجب ان تكون واحدة في المرحلة المقبلة، وأنظار العالم متجهة نحو لبنان».
وأضاف: «موقف الدولة هو تثبيت وقف إطلاق النار، وتأمين انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي الجنوبية المحتلة، واستعادة الأسرى، ومعالجة الخلافات الحدودية العالقة».
وتابع رئيس الجمهورية: «وقف إطلاق النار هو المدخل للمضي في المفاوضات وهو خيار يلقى دعما محليا وخارجيا، كانت من أبرز مظاهره ما أعلنه الرئيس الأميركي خلال الاتصال الهاتفي (الخميس) من دعم للبنان ولسيادته واستقلاله وسلامة اراضيه، إضافة إلى وقوف الولايات المتحدة إلى جانب الشعب اللبناني لإنهاء معاناته واستعادة عافيته وإعادة تفعيل اقتصاده الذي تأثر سلبا نتيجة الحرب الأخيرة».
وأعلن «ان الجيش اللبناني سوف يلعب دورا أساسيا بعد انسحاب القوات الإسرائيلية لجهة الانتشار حتى الحدود الجنوبية الدولية، وإنهاء المظاهر المسلحة وطمأنة الجنوبيين بعد عودتهم إلى قراهم وبلداتهم، بأن لا قوى مسلحة غير الجيش والقوى الأمنية الشرعية».
ورأى «ان اللبنانيين الذين تحملوا الكثير في الأعوام الماضية، هم اليوم أمام واقع جديد توافر له الدعم العربي والدولي. وهذه الفرصة لا يجوز ان نضيعها لانها قد لا تتكرر».
وفي السرايا الحكومي، عقد الاجتماع الوزاري اليومي برئاسة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام، ومشاركة عدد من الوزراء، حيث عرض سلام معهم لـ«وقف اطلاق النار والتسهيلات الآيلة إلى عودة النازحين وفق توجيهات الجيش والقوى الأمنية وتأمين الخدمات اللازمة في مراكز استقبال النازحين».
وعرض وزير الدفاع الوطني اللواء ميشال منسى للوضع الميداني وظروف العودة إلى عدد من المناطق الجنوبية، مشيرا إلى «جهود الجيش بترميم بعض الجسور»، ومتوقفا عند «عدد الضحايا الذي بلغ 2196 والجرحى 7185». كما اطلع وزير الداخلية أحمد الحجار المجتمعين على التوقيفات التي طالت 9 أشخاص أطلقوا النار ليل الخميس والملاحقات الأخرى الجارية.
مرجع سياسي ورئيس حزب مسيحي كبير، قال في دردشة مع «الأنباء»: «يكفي لبنان توريطا في حروب وفقا لتوقيت غير لبناني وظهور فريق في الداخل تكرارا في موقع المعتدي أمام خصم معروفة قدراته». وأضاف:«الدفاع أمام المعتدي شيء، اما المبادرة بالاعتداء والتحول ضحية وجلب الويلات شيء آخر».
وإذ إنتقد «المواقف السياسية الداخلية لهذا الفريق وبقاءه في الحكومة وتكرار منحها الثقة»، ذكر بأن «هذا الفريق لم يساعد في عملية الإصلاح وفي عدم النيل من صلاحيات الرئاسة أثناء الفراغ الرئاسي».
وبالرغم من عدم مساواته بين إسرائيل والفريق اللبناني «الذي يعمل وفق أجندة خارجية»، قال إن على «الأخير أن»يزيح«لصالح الدولة التي لنا مصلحة جميعا في قيامها في مرحلة التحول التي تشهدها كل المنطقة».
ومع دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ عند منتصف ليل الخميس – الجمعة، كان مشهد مستنكر ومنبوذ، حيث قوبل وقف النار بإطلاق الرصاص والقذائف في الضاحية الجنوبية من أسلحة مختلفة ومن نوع «آر بي جي». وأدى الرصاص الطائش إلى ترويع سكان المناطق المجاورة والى تحطيم زجاج سيارات ونوافذ والواح الطاقة الشمسية.
وفي هذا السياق، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري أمام وفد من تجمع «كلنا بيروت» برئاسة الوزير السابق محمد شقير: «الوحدة الوطنية والسلم الأهلي خط أحمر لن يسمح تحت أي ظرف من الظروف تجاوزه على الإطلاق. وأي مس بهاتين الركيزتين من أي جهة كان هو مساس لوجود لبنان وهدية مجانية للعدو الإسرائيلي ومشاريعه التي لا يمكن أن يكتب لها النجاح إلا من خلال الفتنة».
وأضاف: «الفتنة نائمة ولعن الله من يوقظها، فكيف إذا ما كان الأمر بين أبناء البلد الواحد والوطن الواحد والهوية الواحدة ونعم بين أبناء الدين الواحد؟».
وتابع: «وأنتهزها مناسبة ونحن في اليوم الأول لبدء سريان الهدنة وبدء عودة الأهالي إلى قراهم وبلداتهم، لأجدد توجيه الشكر للعاصمة بيروت التي شرعت أبوابها وأحياءها، كما الجبل والشمال للنازحين من الجنوب والضاحية والبقاع».
الرئيس بري أعرب عن استيائه واستنكاره ورفضه لظاهرة إطلاق النار معتبرا أن «كل رصاصة تطلق في الهواء، بقدر ما يمكن لها أن تشكل من خطر على حياة الأمنين وتهدد أملاك الناس هي إساءة لكرامة الشهداء، وهي مخالفة ليس للقانون فحسب إنما لكل الشرائع السماوية».
أما في مشهد مغاير ومستعاد، فطوابير من سيارات العائدين إلى مناطقهم وقراهم مع وقف إطلاق النار، علما أنه يمكن لقسم كبير من أهالي الجنوب وبنسبة تفوق 60% العودة الفورية إلى منازلهم لأن ثمة مناطق كانت خارج الاشتباكات الواسعة.
وشهد أوتوستراد بيروت - الجنوب زحمة سير خانقة. وصدر عن الجيش اللبناني أن «وحدة مختصة من الجيش تعمل على فتح جسر القاسمية البحري - صور بالكامل بالتعاون مع البلديات وجمعيات أهلية، عقب استهدافه باعتداء إسرائيلي يوم الخميس الماضي، وقد تمركزت إحدى الوحدات العسكرية في محيط الجسر».
وعلى الأرض مواكبة لاتفاق وقف إطلاق النار من قوى الأمن الداخلي ومتابعة من وزير الداخلية أحمد الحجار الذي قال إن «المرحلة الحالية تتطلب جهدا مضاعفا وتنسيقا كاملا مع الجيش اللبناني، لمواكبة عودة الأهالي إلى عدد من القرى والبلدات، وذلك من خلال تكثيف تدابير حفظ الأمن والنظام، وتأمين انسيابية حركة السير».
وفي اتصال مع المحافظين المعنيين، أكد الوزير الحجار «ضرورة البقاء في أعلى درجات الجهوزية، وإيلاء عناية خاصة للأهالي، والعمل على تلبية احتياجاتهم ومتابعة أوضاعهم».
كما طلب الوزير الحجار، خلال اتصال مع المدير العام للدفاع المدني العميد الركن عماد خريش، «المشاركة الفاعلة في عمليات رفع الأنقاض، والاستجابة السريعة لنداءات المواطنين».
وفي جولة تفقدية في قرى جزين في الجنوب، قال البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي إن «هدنة وقف النار ستصمد وكفانا حروبا وقتلا ودمارا».
ولفت الراعي إلى أن «مشاهد عودة النازحين إلى قراهم تعبر عن توق اللبنانيين العميق إلى الاستقرار والطمأنينة».
باختصار، استقبل لبنان أخيرا «اليوم التالي» لحرب جديدة، يريدها أبناؤه الأخيرة في مسيرة وطن عرف كافة الحروب، التي أتعبت أهله، من دون ان تنال منه.