- 45 مادة تنظم التجارة الرقمية وتؤسس سوقاً أكثر وضوحاً
- 35 مادة للصكوك توسع التمويل وقاعدة المستثمرين
- «الشركات» نحو تأسيس أسرع وقيد تجاري أكثر فاعلية
أحمد مغربي
دخلت الكويت خلال 2026 مرحلة جديدة في تحديث البنية التشريعية للاقتصاد، مع تحرك واسع شمل 8 مراسيم بقوانين اقتصادية صدرت بالفعل، إلى جانب مشروع تاسع لتعديل قانون الشركات، لتطول التغييرات طريقة ممارسة التجارة وتأسيس الشركات وتمويل الدولة وتنفيذ المشروعات الحكومية وحسم المنازعات وإدارة القطاع النفطي وحماية السوق، ولم تتحرك هذه التشريعات في مسارات منفصلة، بل أعادت ترتيب حلقات مترابطة من دورة النشاط الاقتصادي تبدأ من دخول المستثمر إلى السوق، وتمر بالتعاقد والتمويل وممارسة النشاط، وتنتهي بحماية الحقوق وتسوية المنازعات.
وتكتسب هذه الحزمة أهميتها من اقترابها المباشر من العناصر التي تحدد جودة بيئة الأعمال، فالمستثمر يبحث عن تشريع واضح، وإجراءات تأسيس أسرع، وعقود قابلة للإنفاذ، وقضاء متخصص، وأدوات تمويل متنوعة، وفرص للدخول في المشروعات الحكومية، وسوق يخضع لقواعد المنافسة والشفافية، ومع إضافة إجراءات أخرى شهدها العام، من بينها تنظيم إقامة المستثمرين الأجانب لفترات ممتدة وفق ضوابط محددة، تتشكل منظومة أوسع تستهدف رفع جاذبية الكويت لرأس المال طويل الأجل.
وفي مقدمة التحولات جاء المرسوم بقانون رقم 10 لسنة 2026 بتنظيم العمل بقطاع التجارة الرقمية، عبر 45 مادة موزعة على 10 فصول تغطي الجوانب التنظيمية والإجرائية والرقابية والعقابية، وتنظم المتاجر والمنصات والمدفوعات الإلكترونية والإعلانات والشكاوى وحماية المستهلك، بما يضع نشاطا سريع النمو تحت مظلة قانونية متكاملة.
وفي الاتجاه نفسه، صدر المرسوم بقانون رقم 78 لسنة 2026 في شأن مكافحة التستر التجاري متضمنا 14 مادة، لمواجهة ممارسة الأنشطة الاقتصادية دون الترخيص اللازم أو تمكين الغير من ممارسة النشاط بالمخالفة للقانون، مع عقوبات تشمل الحبس والغرامة والمصادرة وغلق المنشأة وإلغاء الترخيص، ويستهدف التشريع تعزيز الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص ورفع قدرة الدولة على الرقابة والتنظيم والتحصيل.
وفي أكبر قطاعات الاقتصاد، صدر المرسوم بقانون رقم 67 لسنة 2026 بتعديل بعض أحكام المرسوم بالقانون رقم 6 لسنة 1980 بإنشاء مؤسسة البترول الكويتية، متضمنا 5 مواد تستهدف تحديث التنظيم التشريعي للمؤسسة وتمكينها من مواكبة تغيرات صناعة الطاقة وتعظيم الإيرادات النفطية. وأكد التعديل إدارة المؤسسة على أسس تجارية، ونقل بعض الاختصاصات إلى مجلس إدارتها وتطوير الإطار المنظم لأعمالها.
أما في التمويل السيادي فقد أرسى المرسوم بقانون رقم 90 لسنة 2026 في شأن الصكوك الحكومية إطارا متكاملا عبر 35 مادة، يسمح بإصدار الصكوك بالدينار الكويتي أو العملات الأجنبية داخل الكويت وخارجها، ويتيح للأشخاص الطبيعيين والاعتباريين الاكتتاب والتملك، مع إمكانية إدراج الصكوك في أسواق المال المحلية والأجنبية، كما نظم إنشاء شركات ذات غرض خاص وإدارة موجودات الصكوك والرقابة الشرعية عليها، مضيفا أداة جديدة إلى منظومة التمويل السيادي.
وفي المشتريات الحكومية، أعاد المرسوم بقانون رقم 94 لسنة 2026 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 49 لسنة 2016 بشأن المناقصات العامة رسم جانب مهم من دورة التعاقد، فرفع الحد الأقصى لتعاقد الجهات العامة دون إذن الجهاز المركزي للمناقصات العامة إلى مليون دينار، وحدد اختصاص الجهاز في عقود مؤسسة البترول وشركاتها المملوكة بالكامل إذا تجاوزت 20 مليون دينار، إلى جانب أحكام لتعزيز المحتوى المحلي ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتنظيم التظلمات.
وفي القضاء، جاء المرسوم بقانون رقم 88 لسنة 2026 بإصدار قانون في شأن إنشاء الدوائر الاقتصادية ليؤسس قضاء متخصصا على درجات التقاضي الثلاث للمنازعات الاقتصادية والمالية والتجارية، مع التوسع في التقاضي الإلكتروني وتبسيط الإجراءات ومكتب لتحضير الدعوى، بما يستهدف تسريع الفصل في النزاعات ورفع كفاءة إنفاذ العقود. ويبدأ العمل بالقانون في 1 أكتوبر 2027.
وتكامل معه المرسوم بقانون رقم 91 لسنة 2026 بتعديل بعض أحكام القانون رقم 7 لسنة 2010 بشأن إنشاء هيئة أسواق المال وتنظيم نشاط الأوراق المالية، والذي نقل المنازعات غير الجزائية الناشئة عن تطبيق قانون الهيئة إلى الدوائر الاقتصادية وألغى 7 مواد مرتبطة بالتنظيم السابق لمحكمة أسواق المال، مع استمرار المحكمة في نظر القضايا المقيدة لديها حتى الفصل فيها.
كما صدر المرسوم بقانون رقم 93 لسنة 2026 بتعديل المادة 11 من القانون «النظام» الموحد لمكافحة الغش التجاري لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية الصادر بالقانون رقم 20 لسنة 2019، مشددا العقوبات على مخالفات جوهرية مرتبطة بالغش التجاري بما يعزز حماية المستهلك وانضباط السوق.
وفي أحدث حلقات التحديث، وافق مجلس الوزراء في 29 سبتمبر 2026 على مشروع مرسوم بقانون بتعديل بعض أحكام قانون الشركات الصادر بالقانون رقم 1 لسنة 2016، بهدف تيسير تأسيس الشركات وتعزيز الثقة في التعامل معها، ومن أبرز التعديلات المقترحة الاستغناء في حالات محددة عن اشتراط توثيق الإجراءات والتصرفات القانونية والاكتفاء بالكتابة والتوقيع، وجعل القيد في السجل التجاري بمثابة التوثيق المنتج لآثاره في مواجهة الغير، إلى جانب إلغاء شركة المحاصة وإجازة تأسيس شركة مهنية من شخص واحد، ومنح المكاتب والشركات القائمة مهلة سنة لتوفيق أوضاعها. وقد رفع مجلس الوزراء المشروع إلى سمو الأمير لاستكمال إجراءاته الدستورية.
وهكذا تمتد خريطة التحديث من التجارة الرقمية وتأسيس الشركات إلى تمويل الدولة والتعاقد الحكومي والقضاء الاقتصادي والطاقة وحماية السوق.
وتجمع هذه التشريعات بينها فكرة واحدة: جعل بيئة الأعمال أكثر وضوحا وتنظيما ومرونة، فيما يبقى الأثر الاقتصادي الأكبر مرهونا بسرعة التطبيق وإصدار اللوائح التنفيذية وتحويل النصوص إلى إجراءات عملية تختصر الوقت والكلفة أمام الشركات والمستثمرين.
«الشركات».. تأسيس أبسط ومرونة أكبر
يحمل مشروع تعديل قانون الشركات تغييرا مباشرا في بيئة الأعمال اليومية، إذ يستهدف تقليل الإجراءات المرتبطة بتأسيس الشركات وتعديل عقودها، والاستغناء في حالات محددة عن التوثيق التقليدي والاكتفاء بالكتابة والتوقيع، مع اعتبار القيد في السجل التجاري بمثابة التوثيق المنتج لآثاره القانونية في مواجهة الغير. ويجيز المشروع كذلك لأصحاب المهن الحرة تأسيس شركة مهنية من شخص واحد، ويلغي شركة المحاصة، ويمنح المكاتب والشركات القائمة مهلة سنة لتوفيق أوضاعها. وحتى الآن، يظل النص مشروع مرسوم بقانون أقره مجلس الوزراء ورفعه إلى سمو الأمير لاستكمال إجراءاته.
لماذا تهمّ التشريعات المستثمر الأجنبي؟
لا يختار رأس المال وجهته وفق الحوافز وحدها، بل يقارن بين سهولة ممارسة النشاط ووضوح العقود وكفاءة القضاء وتوافر أدوات التمويل وحماية الحقوق. ومن هذه الزاوية، تعالج تشريعات 2026 حلقات متعددة من المعادلة، فالتجارة الرقمية تنظم نشاطا متناميا، ومكافحة التستر والغش ترفع انضباط السوق، والصكوك توسع المنتجات التمويلية، والمناقصات تعيد تنظيم التعاقد الحكومي، فيما تنشئ الدوائر الاقتصادية مسارا قضائيا متخصصا، ويضيف تعديل قانون مؤسسة البترول مرونة تشريعية إلى أكبر قطاعات الاقتصاد، ليصبح وضوح القواعد وسرعة تنفيذها جزءا أساسيا من المنافسة على جذب الاستثمارات.
القوانين لا تدخل السوق في يوم واحد
تختلف مواعيد نفاذ تشريعات الحزمة، وهو ما يجعل 2027 عاما مهما لاختبار آثارها الاقتصادية الفعلية، فالمرسوم بقانون الخاص بمكافحة التستر التجاري يبدأ العمل به بعد 6 أشهر من نشره، فيما ألزم قانون التجارة الرقمية وزير التجارة بإصدار لائحته التنفيذية خلال سنة، على أن يعمل بالقانون بعد شهر من نشر اللائحة. أما قانون إنشاء الدوائر الاقتصادية فقد حدد 1 أكتوبر 2027 موعدا لبدء العمل به، ويرتبط نفاذ تعديل قانون هيئة أسواق المال بالتاريخ نفسه. وبالتالي، فإن صدور التشريعات يمثل البداية، بينما سيظهر أثرها الكامل تدريجيا مع استكمال اللوائح والأنظمة التنفيذية وانتقالها إلى التطبيق العملي.