في خريف عام 2008 ومع اتساع تداعيات الأزمة المالية العالمية بعد انهيار بنك «ليمان براذرز»، راقبت العواصم الأوروبية بقلق تداعيات أزمة غير مسبوقة هددت النظام المالي والاقتصاد العالمي.
وفي قلب هذا المخاض، وتحديدا في 25 سبتمبر من ذلك العام، تحدث وزير المالية الألماني بير شتاينبروك أمام البرلمان الاتحادي «البوندستاغ» عن التحولات التي ستفرضها الأزمة على النظام المالي الدولي. ورأى أن الولايات المتحدة ستفقد موقعها المهيمن ماليا، وأن العالم سيتجه تدريجيا نحو نظام مالي أكثر تعددا للأقطاب. ولم يكتف الوزير، الذي لقبته الصحافة الألمانية لاحقا بـ «البلدوزر» بسبب صرامته، بالتنبؤ بأفول الهيمنة المالية الأميركية، بل شن هجوما لاذعا على ما وصفه بـ «الرأسمالية الأنجلوسكسونية»، محملا واشنطن ولندن مسؤولية جر الاقتصاد العالمي إلى الهاوية، بسبب السباق المحموم وراء الأرباح الفلكية، في ظل غياب الرقابة الكافية.
بين الانتقاد والتعامل مع الأزمة
أثارت تصريحات شتاينبروك تحفظا في واشنطن، خصوصا أنها صدرت عن وزير مالية دولة حليفة في وقت كانت فيه الأسواق العالمية تمر بمرحلة شديدة الاضطراب.
غير أن تداعيات الأزمة سرعان ما وصلت إلى القطاع المصرفي الألماني، الأمر الذي فرض على الحكومة الانتقال من النقد السياسي إلى اتخاذ إجراءات عملية لحماية المؤسسات المالية المحلية، مما حمل شتاينبروك على تنفيذ خطة إنقاذ مالي بلغت قيمتها نحو 470 مليار يورو، بهدف دعم البنوك الألمانية والحد من مخاطر الانهيار، وذلك على الرغم من إصرار شتاينبروك في البداية على أن الأزمة «مشكلة أميركية خاصة». وفي السنوات اللاحقة تعافى الاقتصاد الأميركي بوتيرة أسرع من عدد من الاقتصادات الأوروبية، التي واجهت أزمة الديون السيادية.
الخلاف مع سويسرا
امتد نشاط شتاينبروك السياسي إلى ملف السرية المصرفية السويسرية، الذي أصبح موضع خلاف بين برلين وبرن خلال عامي 2008 و2009. فقد اتهمت الحكومة الألمانية بعض المؤسسات المالية السويسرية بالمساعدة على إخفاء أموال مودعين ألمان والحد من قدرة السلطات الضريبية على الوصول إلى المعلومات المالية عن أثرياء ألمان متهمين بالتهرب الضريبي، فطالبت برلين بزيادة الشفافية والتعاون الدولي في المعلومات المالية. وبلغت الأزمة ذروتها عندما طالب شتاينبروك بإدراج سويسرا على القائمة السوداء للملاذات الضريبية، داعيا إلى التعامل مع الدول الرافضة للشفافية بأسلوب «استخدام السوط».
لقد تسبب أسلوب شتاينبروك المباشر في توتر ديبلوماسي مع سويسرا، خصوصا بعد استخدامه تعبيرات اعتبرها مسؤولون سويسريون غير مناسبة في العلاقات بين البلدين. وردت برن باستدعاء السفير الألماني وتوجيه انتقادات إلى تصريحات الوزير.
لكن مع مرور الوقت، أخذت سويسرا تعدل موقفها من قواعد السرية المصرفية، والانخراط بصورة أكبر في المعايير الدولية المتعلقة بتبادل المعلومات المالية.
إرث سياسي
أثرت تصريحات شتاينبروك الصريحة في صورته السياسية، إذ رأى منتقدوه أن أسلوبه كان حادا أكثر من اللازم، بينما اعتبر مؤيدوه أنه عبر بوضوح عن أسباب الأزمة ومكامن الخلل في النظام المالي الدولي.
لقد خسر شتاينبروك انتخابات المستشارية عام 2013 أمام أنجيلا ميركل، في سياق انتخابي تأثرت نتائجه بعوامل سياسية وحزبية متعددة، ومع ذلك يسجل التاريخ لخطابه في عام 2008 أنه استشرف تحولات جوهرية تحققت لاحقا، من بينها تراجع الانفراد المطلق لمجموعة السبع، وتنامي دور مجموعة العشرين في إدارة الاقتصاد العالمي، وزيادة مشاركة الاقتصادات الصاعدة في النقاشات المالية الدولية، إلى جانب سقوط القلاع السرية المصرفية التقليدية في سويسرا التي رضخت للضغوط الدولية، وطورت لاحقا نظام التبادل التلقائي للمعلومات.
٭ خاتمة: يبقى خريف عام 2008 شاهدا على اللحظة التي تجرأت فيها برلين على نطق المسكوت عنه في السياسة الدولية، مؤكدة أن الأزمات الكبرى لا تعيد ترتيب السجلات المالية فحسب، بل تعيد أيضا صياغة لغة الديبلوماسية بين الحلفاء.