هذا عجز بيت جاء ضمن أبيات أوردها صاحب اللسان ما يلي بعض منها:
هل في القضية أنْ إذا استغنيتُمُ
وأمنتمُ، فأنا البعيد الأجنب؟
وإذا الكتائب بالشدائد مرة
جَحَرَتْكمُ، فأنا الحبيب الأقرب؟
ولجندبٍ سهلُ البلاد وعذْبُها
وليَ الملاح وحَزْنُهُنَّ المُجْدِبُ!
وإذا تكون كريهة أُدعى لها
وإذا يُحاس الحَيْس يُدعى جندب!
والحَيْس: الأقط يخلط بالتمر والسمن. وفي الحديث: أنه أولم على بعض نسائه بحيس.
وقصة الأبيات أن الشاعر كانه له أخ غير شقيق، وكان إذا كانت المكاره دُفِع به إليها، وإذا كانت المسرات دُعي إليها أخوه جندب على مرأى منه ومسمع!
وقد تبادر لي هذا البيت في ليلة أشبه ما تكون بما تراه في الأفلام الوثائقية عن الحرب العالمية الثانية، حيث المصابون بالطوابير عند المستشفيات الميدانية، وذلك في ليلة ساقني فيها القدر قسرا إلى مستشفى حكومي بعد منتصف الليل، وإذا أنا من يد طبيب إلى آخر، ومن الباطنية إلى الجراحة، ثم الذي في الجراحة يتعجب كيف أُرسلتُ إليه ويعيدني أخرى إلى الباطنية، وإذا الذين عاينوني قد غادروا، فأطباء جدد يستأنفون النظر، وممرض يستأنف الوخز، ثم أغادر مضرجا بوخز الإبر لأعود غدا، ليفعل بي ما فعل بي بالأمس، حتى منَّ الله علي بطبيب جديد يصرف لي دواء وينصحني بتحمل الألم أياما حتى أتحسن، ولست أدري، هل للدواء أثر حسن فيما كنت أشكو، أم أن الأيام كانت كفيلة برحمة من الله حلت بعبده، فكان الشفاء؟!
وقد لفتني في تلك التجربة المريرة هو أنني كلما ذهبت إلى المصحات الحكومية: مستشفى أو مستوصف، لا أكاد أرى مريضا من ذوي (الحيس) أين يتعالج (جندب) وطبقته؟ أليسوا يمرضون مثلنا؟!
ما لي لا أراهم يزاحموننا لتوفير غرفة خصوصية لآبائنا وأولادنا حين يدهمهم المرض؟!
والأمر اللافت أيضا أنني لا أرى (جندب صاحب الحيس) وطبقته يرتادون جل المؤسسات الحكومية الخدمية، لا في المرور ولا في الجوازات ولا في الهجرة، بل والأغرب من ذلك أنهم لا يتلقون تعليمهم كما يتلقاه أبناؤنا في المدارس والجامعات الحكومية، بالرغم من أنهم في المآل سيكونون على هرم تلك المؤسسات التي لم يطرقوا أبوابها يوما؟!
إن الوطن للجميع في السراء والضراء، والمحافظة عليه وعلى ثرواته واجب ديني قبل أن يكون أخلاقيا وغريزيا في الإنسان سليم الفطرة.
إن التفرقة في تقديم الخدمات للمواطنين: مرضى ومتعلمين ومراجعين بحسب أسمائهم وأرصدتهم، عمل لا يقدم عليه إلا الشخص الخائن لدينه ووطنه، وأمثال هؤلاء وباء علينا جميعا مكافحته بتقديم المثال الحسن للمواطن الصالح، والابتعاد كل البعد عن أبوابهم، فضلا عن إظهار الاحترام لهم.
[email protected]