عندما كنت أستذكر الغزو العراقي على الكويت، تجيء ذكريات مواقف المثقفين العرب آنذاك، وأتذكر كم كانت صادمة لي، لكنني بعد زمن بت أتفهم دوافعهم.
والتفهم لا يعني بحال من الأحوال القبول بها، بل إن التفهم هو نوع من مراقبة البشر ورصد السلوك والدوافع والحديث في هذا يطول.
لذلك عندما أرسل لي الصديق المؤرخ محمد اليوسفي مقتطفا من صحيفة مصرية، يحتوي لقاء مترجما مع أديب نوبل نجيب محفوظ وعلى الصفحة الأولى، لم أصدق عيني.
كان الأديب المصري يقصف صدام حسين بقوة، عبر تصريح لصحيفة فرنسية. عندما قرأته استذكرت كتابا أودع فيه نجيب محفوظ سيرته التي أملاها على الناقد رجاء النقاش وعنوانه: صفحات من مذكرات نجيب محفوظ. رجعت للسيرة لأتوقف عند حديثه عن الغزو العراقي على الكويت.
يقول نجيب بعد تمهيد لحالة الحرب العراقية - الإيرانية وشجبه لها وآماله بعد انتهائها بعودة العراق لتنمية الإنسان والمجتمع: «وللأسف لم تلبث هذه الآمال أن تبددت في صباح الثاني من أغسطس عام ١٩٩٠ عندما سمعت خبر اجتياح العراق لأراضي الكويت، وما تبع ذلك من أزمات ومشاكل سوف تعاني منها الأمة العربية لسنوات طويلة قادمة»، ثم يبدي دهشته مما حدث رغم علمه أن الأجواء لم تكن صافية، وتحدث عن الهجوم الإعلامي العراقي على الكويت، لكنه تصور كما تصور الناس جميعا: «كنت أحسب أنه سيقتصر على التصريحات العنيفة والحرب الإعلامية، وقد يصل الأمر إلى الشكوى في الجامعة العربية أو مجلس الأمن».
هذا الموقف من أهم الروائيين العرب بل وعمدتهم، والذي لم يجعل تعرضه لحملات ضارية منذ مقاطعة العرب لمصر بعد «كامب ديفيد» مانعا له من تحكيم العقل.
وهذه ميزة فيه عرفها كل من قرأ إرثه الروائي الغزير وتابع حواراته وتتبع طريقته في الإجابة بعد استماع وتأمل.
إذ إنه وعلى خلاف قطاع كبير من المثقفين العرب الذين استفظعوا قرار الاستعانة بقوات أجنبية بذرائع مضحكة مبكية، يجيء عقل محفوظ ليقول: «لم يكن هناك مبرر لتخوف البعض من الاستعانة بالقوات الأجنبية وخشيتهم العودة لنظام الانتداب، ومن بقاء هذه القوات في بلادنا بعد انتهاء الأزمة، وبالتالي عودة الاستعمار» ويفصل في نقد أولئك المثقفين دون تسميتهم: «إن الذين رفعوا شعار الحل العربي كانوا مثاليين أكثر مما ينبغي، لأن القوات القادمة من أركان الكرة الأرضية المختلفة، ليست قوات أجنبية بل عالمية، احتشدت بناء على قرارات مجلس الأمن لإعادة حق مغتصب لدولة معترف بها وذات سيادة وعضو في المجتمع الدولي» ختام جملته تلك بالتأكيد رد على مثقفين عرب عرفوا بعدم اعترافهم بدول الخليج كدول حقيقية، رغم اعترافهم بأي مال وجوائز وتكريم يأتيهم منها.
ثم يختم نجيب مرافعته في هذا الشأن قائلا لهم وموجها سبابته بكل وضوح: «لم يكن سبب مجيء هذه القوات إلى بلادنا الكويت أو السعودية، ولكن السبب كان غزو العراق للكويت!» هكذا بكل وضوح يتوصل لنتيجة عقلية واضحة لكل ذي لب.
لعب الإعلام العراقي ضمن ألاعيبه في ذلك الزمن البعيد/ القريب على وتر الفوارق الطبقية بين دول الخليج والدول العربية الأخرى ونجح في ذلك نجاحا مذهلا، إذ إن لها رصيدا لا ينفد في المخيلة العربية.
يقول نجيب: «أثارت أزمة الخليج مشكلة توزيع الثروات العربية، فالعراقيون يقولون إن توزيع الثروة البترولية غير عادل وأن الاستعمار أقام حدودا جغرافية مفتعلة، جعل الثروة في يد الأقلية، بينما حرم منها الأقطار ذات الكثافة البشرية والتاريخ الحضاري القديم»، وأتخيل ضحكة نجيب محفوظ الشهيرة لو أذكره قائلا: إن صدام يا مولانا يرقد فوق أكبر بحيرات نفط العالم، لكنني للأسف لم ألتقه إلا في الخيال.
ثم يرد على قولهم الذي أورده: «وأنا لا أوافق على هذا الرأي، ذلك لأن الثروات ملك لأصحابها، ونفس الدول التي تمتلك الثروة حاليا كانت في يوم ليس ببعيد فقيرة» وهذا رأي لا يتفق معه المثقفون العرب بتاتا، ويتوصل لحقيقة واضحة يعمى عنها الكثير منهم وهي: «ثم إن الدول الخليجية أدركت بالفعل ضرورة مساعدة الدول العربية الفقيرة، وساهم صندوق الاستثمار الكويتي مساهمات فعالة في حركة التنمية في عدد كبير من الدول العربية والنامية بشكل عام.
ووقف إلى جوار العراق في حربه مع إيران، وقدم له ثمانية مليارات جنيه» ويختتم عقل محفوظ بهذه العبارة: «ومن ثم لا نستطيع أن نقبل الصورة التي حاول العراق رسمها لأثرياء الخليج، والتي تقدمهم في شكل رجل يلهث وراء نزواته وشهواته دون إحساس بالمسؤولية»، ثم كمحام من طراز رفيع يدافع عن هذه النغمة المألوفة والمستمرة حتى يومنا هذا: «أما قيام الكويت باستثمار أموالها في أميركا وأوروبا، فلها كل الحق في ذلك، أولا: لأن المناخ السياسي والاقتصادي القائم في العالم العربي لا يصلح للاستثمار.
وكيف يصلح الاستثمار في دول تصادر أموال أبنائها وتضعها تحت الحراسة؟ وليس فيها من الأمان السياسي الذي هو الشرط الأول للاستثمار! وثانيا: أن صاحب رأس المال يهمه أن يستثمر أمواله في المكان الذي يعطيه أكبر عائد وهكذا فعلت الكويت.
وثالثا: فإن الكويت لم تقصر بحق جيرانها وأشقائها في العالم الثالث وليس في العالم العربي فقط، وكان لها صندوق للاستثمار يساهم في تنمية الدول العربية والأفريقية أيضا».
يعرج الروائي نجيب محفوظ مجددا على بعض الظواهر التي أوضح الغزو العراقي تناقضها، إذ يقول: «من الظواهر اللافتة للنظر أن أغلب الماركسيين المصريين وقفوا إلى جانب الكويت والسعودية، بينما وقف عدد من زعماء الاتجاهات الإسلامية ضد السعودية، بينما كان من المتوقع أن يحدث العكس كذلك».
يفسر هذا التناقض قائلا: «ان موقف الماركسيين كان نابعا من نظرة عقلانية للأمور وأنهم وجدوا أن التصرف العراقي زعزع ما يمكن تسميته بالأمن القومي العربي..» وبين أن موقف الإسلاميين «لم يكن تأييدا للعراق بقدر ما هو رفض لوجود القوات الأجنبية في الأماكن المقدسة وهذا الرفض مجرد حجج واهية».
وبعد حديث عن وقوف الفلسطينيين مع صدام حسين وتبيان تهافت هذا الوقوف يعاتب ويقول عن صدام حسين بطريقته الخاصة التي تعني ما تعني لمن يعرف نجيب محفوظ: «ومن الأمور التي تدعو للأسف أن صدام حسين كانت لديه فرصة نادرة لأن يصبح زعيما عربيا لم تعرفه المنطقة منذ أيام صلاح الدين الأيوبي.
وذلك لو أحسن التصرف بأموال البترول العراقي، ووجه جهده لحل مشكلات المنطقة الحقيقية، واستخدم قوته للضغط على إسرائيل، بدلا من توجيهها لتهديد أمن جيرانه العرب» وينثني متأسفا لموقف الجماهير العربية: «لقد اغتبط بعض البسطاء من عامة الناس في العالم العربي لتلك الصواريخ التي سقطت على تل أبيب، واعتبروا ذلك نصرا للعرب، على أساس أنها المرة الأولى في تاريخ دولة إسرائيل التي يضرب بها العرب عاصمة إسرائيل».
وبين أن هذه الغبطة لا أساس لها إذ إن هذه الأفعال لن تفيد العرب من بعيد أو قريب بل هي إلى مضرتهم أقرب. وودت لو قلت له: يا عم نجيب، ليت تلك الغبطة توقفت عند البسطاء!
في حوار نجيب محفوظ مع الناقد رجاء النقاش، محاور عدة عن تلك الأزمة الأهم في تاريخ العرب الحديث، إذ إن العرب اعتادوا في تاريخهم الحديث أن يكون عدوهم خارجيا، ولم يحدث أن يحتل أحدهم الآخر تحت مبررات كانت تتبدل في كل يوم ومع طلعة الشمس، وباتت مصدر تندر لمن يبحث عن الحقيقة وسط ركام الأكاذيب.
لذلك تهمني الخلاصة التي ختم بها نجيب ذلك الفصل إذ يقول: «والخلاصة أن أزمة الخليج كشفت عن عمق المحنة التي يعيشها العالم العربي، وهي محنة حضارية في الأساس، أكدت أننا لم نصل بعد للمستوى الذي يؤهلنا للحياة في هذا العصر.
والطريق الوحيد لعبور هذه المحنة يتمثل في الديموقراطية الصحيحة، واحترام حقوق الإنسان العربي ومنحه الفرصة في الحياة الحرة الكريمة».
قد يقول قائل، لماذا نرجع لذلك الزمن وقد حدثت أحداث برأيهم أعنف وأشد وأفظع. أعود لأسباب بسيطة منها: أن أسجل موقفا لأديب أحبه قد ذهب موقفه مع الريح ونسي.
السبب الآخر: أن أذكر الناس بأن المثقفين هم المثقفون في كل زمان ومكان وألا فارق يذكر بينهم وبين البسطاء من الناس والعوام. بل إن من العوام من يكونون ذوي بصيرة وتبصر.
هل أذكر أسبابا أخرى؟ سأترك للقارئ أن يستنتج أسبابا فقد يأتي بما لم يخطر على بال. رحم الله نجيب محفوظ، أكبر دعاة العقل في عصرنا الحديث.
