بلد المليون شهيد، يكفي هذا اللقب لنعرف أن الحديث عن الجزائر. لكن لماذا لا أسترجع وأرى ماذا يكمن في الذاكرة إن قلنا الجزائر؟ مثلا، أكبر بلد عربي، البلد النفطي، الثورة الجزائرية، الأمير عبدالقادر الجزائري، أسطول خيرالدين بربروسا، الأدب الجزائري، منتخب الأخضر بلومي ورابح ماجر الذي عصف بالمنتخبات في كأس العالم ١٩٨٢م، مطار هواري بومدين الذي انتهت فيه حادثة خطف طائرة الجابرية الكويتية نهاية الثمانينيات، صورة جميلة بوحيرد واستقبالها من قبل أمير الكويت الراحل الشيخ عبدالله السالم يصحبه موكب رسمي ضم رجالات الكويت وجمعيات النفع العام، مجلة العربي التي منذ دشنت عام ١٩٥٨م وتقارير لا تنقطع عن الجزائر حتى نيلها الاستقلال وبعد الاستقلال.
الشيخ أحمد القطان يخطب في ملعب كرة قدم ويصف للجماهير الجزائرية المحتشدة جريمة احتلال الكويت. كل تلك الصور وأكثر تداعت عندما تذكرت اسم الجزائر. لذلك قررت زيارتها والتعرف عليها.
وقبل هبوط الطائرة في مطار العاصمة كان لون الأرض الأخضر يصطدم بزرقة البحر في تناغم دل على طبيعة مذهلة سأراها من تلمسان غربا وحتى قسنطينة شرقا.
كنا في رحلة باب الجزائر التي ننظمها عبر شركة باب للرحلات، ورافقنا فيها أكارم من دول الخليج ومنهم رفيق رحلاتنا الأستاذ عبدالله السلمان وشقيقه عبدالرحمن وابن عمهما عبدالله بن حمد من المملكة العربية السعودية.
وكان الأول قد حكى لي قصة عن خاله منذ زمن ونسيتها، وعندما ذكرني بها أثناء تجولنا في شارع ديدوش وسط العاصمة الجزائر، اندهشت من تفاصيلها وعزمت كتابة مقال عنها لتصل للقراء، فاستأذن في ذلك خاله وطلب مزيدا من التفاصيل.
في العام ١٩٦٢ استقلت الجزائر بعد استعمار دام ١٣٢ عاما. خلف ما خلف وراءه من شهداء وجرائم لايزال صداها في نفوس الجزائريين وحكاياتهم.
ومما فرضه المحتل الفرنسي آنذاك سياسة سميت سياسة التجهيل، وقوامها محو اللغة العربية والدين وعدم تعليمهما في النظام الرسمي، وتم له ذلك عبر وضع اليد على المساجد وتحويلها لمراكز تنشر الثقافة الفرانكفونية أو تحويلها لهيئات تبشيرية.
لكن الأخوة الجزائريين وجنبا إلى جنب مع مقاومتهم المسلحة للاستعمار، كانت لهم مقاومة ثقافية عبر إبقاء اللغة العربية حية في نفوس الأبناء وربطهم بماضيهم العريق.
وهنا تبدأ قصتنا إذ أخبرني أبوصلاح أن خاله الشيخ عبدالعزيز بن أحمد السلمان أطال الله في عمره، الذي تخرج في كلية الشريعة عام ١٣٧٧ هجرية، انتدب مع زملاء إلى الجزائر لتعليم اللغة العربية والدين لأبناء الجزائر.
وتحديدا مدينة وهران، وكان ذلك في العام ١٩٦٦م واستمرت تلك المهمة لست سنوات.
يقول السلمان: «ولم يكن خالي الذي ولد في جلاجل أوائل عام ١٣٤٧ هجرية ضمن الدفعة الأولى، بل كان من ضمن الدفعة الثالثة، كان بعد تخرجه انضم لسلك القضاء ثم طلب الإعفاء بعد سنة ونصف، وانضم لسلك التدريس حتى عرض عليه الانضمام لدفعة المدرسين المبتعثين إلى الجزائر. وصلوا سنة ١٣٨٦ هجرية إلى الجزائر.
ومنهم الأساتذة: محمد العبدالسلام الذي أصبح أول ملحق ثقافي هناك، وعبدالرحمن ابن دايل، محمد المعتاز، عبدالعزيز العقيلي، عبدالعزيز أبوحيمد، محمد الربيعة، عبدالرحمن الجلال، فهد السناني وآخرون رحم الله ميتهم ومتع حيهم بالصحة والعافية، وكانوا مبعوثين على نفقة المملكة العربية السعودية، التي ضاعفت لهم الرواتب، ومن لحقهم تمت معاملتهم معاملة الديبلوماسيين، وقبل كل ذلك طار بهم إلى هناك شوقهم لمد يد العون لأشقائهم.
لم يكن طريق السفر بالطائرة مباشرا مثل هذه الأيام، بل كانت الطائرة تطير من الرياض إلى جدة، ثم عبر طيران الشرق الأوسط إلى بيروت ومنها إلى باريس، ثم من باريس إلى الجزائر العاصمة ثم عبر القطار إلى وهران في السنة الأولى.
وكان خالي وبعض زملائه يدرسون طلبة المرحلة الثانوية من بنين وبنات ويعاملون معاملة البروفيسورات حسبما كانت التسمية آنذاك، والذي يدرس ١٦ حصة أسبوعيا.
ورغم أن الجزائريين عرضوا عليهم أن يدفعوا لهم مكافآت في حال زيادة عدد الحصص إلا أن خالي وصحبه رفضوا أخذها من الجزائر بقولهم: دولتنا تدفع لنا ولا يمكن أن نقبل! فأخبرتهم مديرة المدرسة أنهم إن لم يتسلموا قيمة الحصص الإضافية سيتم خصمها من ميزانية المدرسة! فصاروا يتسلمونها ويهدونها للمدرسة على هيئة كتب وقرطاسية وما شابه».
وهذا من حرص الإخوة الجزائريين على تعلم العربية حتى أن بعض الأسر الجزائرية طلبت منهم حصصا إضافية خارج وقت الدراسة.
عندما زرنا وهران في رحلتنا، انطلقنا عبر الترام لزيارة محل إقامة خالهم وزملائه المعلمين، وصوروا ووثقوا ما يظنونه المكان بناء على ما اختزنته ذاكرة خالهم وعائلته من أسماء شوارع وعمائر.
كنت مندهشا من هذه المعلومات، ومندهشا بمقدار الجهل بعلاقات مثل هذه تربط الدول العربية، لكن دهشتي أكبر بعدما تساءلت: هل بعثت الكويت بمدرسين إلى الجزائر أسوة بالمملكة العربية السعودية؟! أتتني إجابة من د.فيصل الوزان، بأن الكويت لم ترسل مدرسين! بل استضافت ١٦٥ طالبا جزائريا في ثانوية الشويخ.
وبعث لي خبرا ورد في صحيفة «الأنباء» عام ٢٠١٣ عن قيام سفير الكويت آنذاك في الجزائر السيد سعود الدويش، بدعوة مواطنين جزائريين ممن درسوا في الكويت، حيث تذاكروا يومياتهم.
عندما ذكرت هذه المعلومة للدكتور عبدالله الغنيم أفادني ببحث تفصيلي بعنوان: «الدعم الكويتي للثورة التحريرية الجزائرية» للأستاذ الدكتور بشير فايد. بدأت في القراءة لأعرف المزيد عن أولئك الطلبة.
يقول د.بشير: «تجدر الإشارة إلى أن علاقة الجزائريين بالكويت، سابقة لزمن الثورة التحريرية، حيث كانت محط زيارات لشخصيات عدة منها الإصلاحية كالشيخ فضيل الورتيلاني».
وبعدما عرف ببعض الطلبة فصّل في مآلتهم في التعليم العالي والأدب يقول: «وقد شكل الطلبة الجزائريون في الكويت، وبقية بلدان المشرق العربي، السند الأساسي لجبهة التحرير الوطني، فقد حسموا الموقف لصالحها، فانضموا بشكل جماعي، إلى صفوف الثورة في أيامها الأولى» وقبل عودتهم إلى وطنهم وفي أيام دراستهم في الكويت نظموا أنفسهم تحت اسم رابطة الطلبة الجزائريين في الكويت «ويفسر الدكتور بشير ذلك التنظيم إلى تأثرهم بعراقة الحركة الطلابية الكويتية، والتي ولدت في مصر منتصف الأربعينيات، بتعداد جاوز أربعمائة طالب في المستويين الثانوي والجامعي» ثم يسرد الحوادث التي تفاعلت معها الحركة الطلابية الكويتية في مصر.
ويوثق د.بشير تأدية الطلبة الجزائريين بالكويت المنضوين تحت راية رابطة طلبة الكويت: دورا أساسيا في الاجتماع التأسيسي لرابطة الطلبة الجزائريين في المشرق العربي والذي عقد في دمشق. ويفصل د.بشير في موضوع تكفل الكويت بمصاريف الطلبة التعليمية ولباسهم ومنحهم مكافأة شهرية بالإضافة لتذاكر الطائرة.
كما يذكر قيام حكومة الكويت بإطلاق سلسلة مبادرات منها فرض ضريبة مالية على الموظفين، تستقطع من رواتبهم دعما للثورة الجزائرية استمرت قرابة ثماني سنوات. ونوه بدور مجلة العربي في نشر أخبار الثورة الجزائرية في أصقاع العالم العربي.
هذه المساهمات السعودية والكويتية تجاه أشقائنا في الجزائر ليست غريبة، خاصة إن قرر أحد معرفة المزيد عن دعم الجزائر قبل الاستقلال سياسيا وماليا، وصولا إلى تخصيص موسم الحج لثورة الجزائر وتسميته بحج الجزائر من قبل الملك فيصل.
ما أجدر أن نستعيد هذه الروابط بين بلداننا وشعوبنا، ونغذي ذاكرتنا التي جبلت على النسيان بمثل هذه القصص الموثقة.
ولعلي بهذا المقال فتحت الباب لمزيد من الذكريات والروابط ممن عايش تلك الحقبة ممن درسوا أو درّسوا. أما الجزائر وشعبها الرائع ومدنها البديعة والتاريخ العريق الذي شهدناه في تلك الرحلة، فلعلي أدونه في مقال قادم.