كانت علبة سحرية تلك التي جاء بها والدي في العام 1987، نجحت ماكنة الإلحاح التي أمتلكها في لساني بعدما بدأت بالاشتغال منذ زمن "وزنّت" حاجتها لكمبيوتر، لذلك عندما أخرجت الحاسوب من العلبة الزرقاء ووضعته أمامي بدأ عالم جديد، وكان الحاسوب المسمى صخر AX170 بابا لمغارة تهت بها منذ ذلك الحين. استخدمته بداية للعب وأذكر ألعابا منها: رامبو والأميرة ولعبة مسابقات الأسئلة وغيرها كانت تسلية مدهشة آنذاك. لكن أهم برنامج هو صخر لوغو، برنامج مرّن أصابعي بالضرب على لوحة المفاتيح باللغة العربية. آنذاك لم أعرف المؤسس محمد الشارخ وعرفت صخر كمشروع كويتي طموح إعلاناته تملأ الصحف والمجلات والشوارع. حتى أنني أذكر المسابقات الأسبوعية التي كانت تعقد للأطفال في فندق ريجينسي وأساسها سرعة الكتابة على كمبيوتر صخر وإجادة استخدام البرامج. اقتنيت برنامج القرآن الكريم، وكانت له علبة خضراء فخمة تشبه نسخة المصحف التي تخرج من مجمع الملك فهد، وفي جوفها كتيب عن هذا المشروع، في تلك اللحظة وبعد قرائتي للدليل ألف مرة عرفت اسم محمد الشارخ.
ومضت الأيام وجاء احتلال الكويت وفارقت حاسوبي لأول مرة، لن أكون مبالغا إن قلت أن ليالي المنفى في أبوظبي أضاءتها أحلام العودة للوحة المفاتيح والأشرطة وكانت حلم يقظة دائم. كنت أسرح بين حين وحين متسائلا؛ أترى الحاسوب سرق وانتقل لبيت آخر في البصرة أو بغداد؟! طار أبي مع وفد السفارة الكويتية في أبوظبي إلى البلد الذي ولد من جديد، يومها كانت سحب دخان آبار النفط تمطر على الكويت مطرا أسود، ثم عاد على متن نفس الطائرة العسكرية إلى الإمارات العربية المتحدة، كنت أترقب عودته بلهفة، وبينما أخذ والدي يروي للزوار الفواجع التي شهدها هناك، والبلد المدمر ويمرر لهم الصور الفوتوغرافية التي وثقها، كان قلبي يدق متربصا لحظة يطمأنني على حاسوبي. وبعدما رويت كل القصص وحكى والدي عن عائلة سكنت منزلنا لأنه يحتوي سردابا احتموا به اتقاء لشر حرب كيماوية كانت متوقعة، انفض الجمع المستمع مذهولا من الجحيم الذي انتهى، ثم جاءني الخبر واطار النوم من عيني: الحاسوب اختفى وغير موجود في منزلنا! أسباب الحزن كثيرة آنذاك وهناك حزن عام على البلد والضحايا وحزن خاص والأخير تجليه الأكبر؛ فقداني لحاسوبي صخر AX170. لماذا؟ لأنه عشرة عمر وكنت قد اقتنيت من محل حواسب في أبوظبي عدة برامج أعددتها ليوم اللقاء، كنت أتخيل أن الحاسوب سيروي لي ماذا حدث في أشهر الغياب. فور عودتنا إلى الكويت توجهت مباشرة لمنزل الأسرة التي سكنت منزلنا في الاحتلال، وبكل جرأة طلبت من أكبر أولادهم اعطائي الحاسوب لأنني خمنت أنه يخفيه. غاب الولد لنصف ساعة وعادة يحمل الحاسوب الأبيض مع الكابلات. لم أفكر برد على اللص الصغير، احتضنت الكمبيوتر وطرت به إلى المنزل ولم أصدق إلا عندما أوصلته بالكهرباء وعاد إلى الحياة وظهرت على شاشة التلفاز عبارة صخر AX170.
فتنت بعدها بالحواسيب، وصار كمبيوتر صخر تاريخا كاد يكون منسيا، واقتنيت في العام 1993حاسوبا متوافقا مع IBM، وأدمنت قراءة كل المجلات المعنية بأخبار التطور التكنولوجي. وأذكر أن سيرة صخر عادت مجددا عندما وجدت مجلة متخصصة في مكتبة المدرسة احتوت حوارا مع فريق تعريب الويندوز، كان الأمر مذهلا آنذاك، لكنني عرفت أن الفريق هو نفسه الذي صنعه ودرّبه محمد الشارخ وكان يعمل في شركة صخر، وعرفت أن بيل غيتس استغل احتلال الكويت ليسرق لصالح شركة مايكروسوفت ذلك الفريق رغم الاتفاقيات المعقودة بين الشارخ وغيتس. ثم عرفت بعد أعوام أن القضايا القانونية بينهما لم تكن ذات نتيجة، ثم، ألم يتحارب بيل غيتس وستيف جوبز في المحاكم لأعوام بتهمة سرقة نظام الويندوز من آبل؟ ثم اتضح أنهما سرقا شركة زيروكس!
حلم طليعي وكبير لرجل رائد، تبعثر على انقاض مأساة شخصية سببها الرئيسي كما أرى، مأساة احتلال قصمت ظهر التاريخ العربي.
عاد اسم الشارخ مجددا للبروز عندما كنت أعمل على رواية انتهيت منها قبل أشهر، ولأنني احتجت أن يمسك بطل العمل بمجلة تعود للعام 1936 م لتكون دلالة على زمن الرواية وتكون من المجلات التي كانت ترد الكويت آنذاك من مصر. كنت أنوي زيارة محلات بيع الصحف القديمة في القاهرة، لكن صديقا أسعفني وذكرني بموقع كنت نسيته وهو موقع أرشيف الشارخ للصحف والمجلات العربية. موقع مجاني نذر نفسه ليكون ذاكرة لمن يريد البحث عن المجلات والصحف القديمة، ويكون البحث بواسطة عنوان المقال أو اسم الكاتب أو المجلة، ثم يتاح للباحث بالمجان قراءة العدد المطلوب بوضوح شديد. وهذه خدمة أخرى قدمها الريادي محمد الشارخ للثقافة العربية مجددا.
رحم الله الفقيد، الذي كان قد قدم عدة مشاريع طموحة من الكويت إلى العالم، بفقدانه، أفقد شطرا من ذاكرتي وزمانا عشته، لذلك كتبت ما كتبت لأثبت الذاكرة، ولعلها تكون ذاكرة لقارئ ما. خالص العزاء لعائلة محمد عبدالرحمن الشارخ.