بقلم: هشام عبدالملك النوري
«إنما المرء حديث بعده»
سنواتي الخمس والثلاثون التي قضيتها في شركة نفط الكويت كانت أشبه بمدرسة ومعهد وجامعة، كنت بها تلميذا ثم متدربا ثم عاملا منتجا وأخيرا مدرسا للطلبة الجدد. وهكذا هي الحال لكثير ممن عملوا في هذه الشركة.
وكان نظار المدرسة قادة تميزوا كطلبة ومدرسين حتى صعدوا إلى قمة الهرم.
مررت بعدد من القادة بدأت بأحمد محمد جعفر مرورا بخالد يوسف الفليج وغيره ومنتهيا بهاشم سيد هاشم. ولا أبخس تميز الاثنين الأولين والآخرين وخاصة خالد الفليج، ولكن تجربتي بالعمل مع هاشم كانت ذات طعم مختلف.
عرفت هاشم عندما كنا مديرين في الشركة وكنا نلتقي في اجتماعات الشركة المختلفة فأحببته لهدوئه وحسن كلامه وثقافته وتميز عمله.
كنت أتحدث مع صديق في القيادة العليا عن خيارات القيادة للمنصب الشاغر لنائب الرئيس، فقلت له أرجو أن يكون هاشم من ضمنهم.
فرد علي بأنه على رأس القائمة، سعدت كثيرا ليس لهاشم تحديدا، ولكن للشركة، فنحن كنا دائما نفرح بترقية المتميزين لأن فائدة الشركة فائدة للجميع، فمن لا يريد رئيسا متميزا.
وحتى تلك الفترة وما بعدها لم أكن أعرف هاشم عن قرب، حتى أتت الفرصة ليكون رئيسي المباشر بالوكالة لأكثر من مرة، وبعدها بفترة أصبح رئيسا لشركة نفط الكويت.
وكان ذلك اليوم أشبه بمناسبة سعيدة في الشركة. الكثيرون كانوا يعتبرون هاشم صديقا لهم لأنه صديق الكل، يعامل الجميع باحترام وتقدير وأحيانا بتبجيل خاصة قدامى الموظفين، كل ذلك لم يكن أبدا على حساب العمل والأداء والتميز والابتكار، جمع هاشم بين الاحترام والحزم، وهذه أهم خصال القادة الكبار.
اختلفت مع هاشم في أمر أو اثنين، تأخرت في تنفيذ أمر مباشر منه لم أكن مقتنعا به، فقال إذا لم تنفذ فسأعين آخر لتنفيذه. أحرجني بكل هدوء واحترام. افتقدت وجوده القليل كرئيس مباشر وكنت أتمنى أن يطول لأستمتع بالعمل معه.
ولكنه كان دائما حاضرا في اجتماعات الإدارة الشهرية وفي بعض الاجتماعات الأخرى حسب متطلبات العمل المختلفة.
هاشم كان ككثير من قيادات القطاع بعيدا عن السياسة ومصالحها المتشعبة. وخلال فترة رئاسته لشركة نفط الكويت ظهر معدنه الأصيل واضحا، أحب كثير من المقاولين والتجار طريقته العادلة وإحقاق الحق، وكره كثير منهم هذه الطريقة، أحب كثير من السياسيين أداءه المتميز لصالح الشركة والبلد، وكره كثير منهم صموده أمام الواسطات، حتى نجح الكارهون في محاولاتهم لإخراجه من الشركة.
كانت المفاجأة أنه عين لإدارة الشركة الجديدة (البترولية المتكاملة). وكما كان متوقعا، أبدع بتأسيسها وإدارتها، وكان موظفو البترولية المتكاملة يتفاخرون داخل القطاع النفطي بأن رئيس شركتهم هو هاشم، ثم حدث ما لم يكن متوقعا ومخططا بأن اختلف هاشم مع إدارة المؤسسة على سياسة المكافآت وتقدم باستقالته.
ذهب هاشم بإجازة طويلة، ولكن القطاع أبى أن يفرط فيه. فعند خروج نزار العدساني كرئيس تنفيذي لمؤسسة البترول، رجع هاشم ليتولى رئاسة أكبر وأهم مؤسسات البلد.
كان المستفيدون من مناقصات القطاع وبعض المتنفذين والنواب مرحبين بخروج العدساني، متأملين بأن هاشم سيكون أسهل منه. نعم ربما يكون أسهل بسلاسة الحديث وحجم الابتسامة ولكنهم صدموا بالمبادئ الراسخة.
ثلاث سنوات عاشها هاشم تحت ضغوط متنوعة. لم يكفه ضغوط إدارة واحدة من كبرى المؤسسات العالمية باستراتيجيتها الطموحة ومشاريعها الضخمة وعشرات الآلاف من الموظفين ومئات المقاولين، ولم يكفه ضغوط أزمة الوباء وهبوط أسعار النفط.
كان هاشم يصارع ضغوطا من خارج القطاع وتهديدات نواب ومتنفذين يرون أن من حقوقهم أن يعينوا ويرقوا من يريدون ويحصلوا على العقود بلا وجه حق.
وأخيرا عندما قرب موعد التجديد ماذا فعل بو أحمد؟ أعفى نفسه والكثيرين من الدخول في صراع سياسي بحت لا ينظر إلى الكفاءة، وتقدم باستقالته قبل شهر من حلول الموعد.
(فكن حديثا حسنا لمن روى)