تنفست أوروبا ومن ورائها حلفاء فرنسا الغربيون الصعداء إثر فوز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بولاية رئاسية جديدة، إلا أن حصول منافسته اليمينية المتطرفة مارين لوبن على نحو 42% وتسجيلها أعلى نتيجة لمرشح يميني متطرف في انتخابات رئاسية منذ تأسيس الجمهورية الخامسة عام 1958، دق ناقوس الخطر في باريس وباقي العواصم الغربية إزاء ما كان يمكن أن يكون زلزالا لأوروبا برمتها مع التقدم الكبير لليمين المتطرف.
واختار الفرنسيون إذن إعادة انتخاب رئيس وسطي ليبرالي موال جدا لأوروبا بدلا من مرشحة راديكالية تضع «الأولوية الوطنية» في صلب برنامجها وتنتقد الاتحاد الأوروبي بشدة.
وعلاوة على التراجع الكبير في النسبة التي حصل عليها ماكرون عام 2017 وبلغت 66%، وتمكن لوبن من إيصال اليمين المتطرف إلى نتيجة غير مسبوقة تجاوزت 42%، فإن نسبة الامتناع عن التصويت القياسية التي قدرت بـ 27.8%، بحسب المعهد الفرنسي للرأي العام، وهي نسبة غير مسبوقة في دورة ثانية من الانتخابات الرئاسية منذ 1969 (31.3%)، تنذر بأن الرئيس سيواجه صعوبات كبيرة، وسيكون أول تحد أمامه الحصول على الأغلبية في الانتخابات التشريعية المقررة في يونيو.
ويبدو أن ماكرون مدرك تماما لما تقوله هذه الأرقام، حيث أكد انه غير راض عن فترته الأولى واعداً بالتغيير، وقال في خطاب أمام برج إيفل في باريس بين حشد من مناصريه «أعلم أن عددا من مواطنينا صوتوا لي، ليس دعما للأفكار التي أحملها بل للوقوف في وجه اليمين المتطرف»، مضيفا «هذا التصويت يلزمني للأعوام المقبلة».
وطمأن من صوتوا لمنافسته أنه «منذ هذه اللحظة، لم أعد رئيس فريق، إنما رئيس الجميع»، مضيفا أن «الغضب والاختلاف في الرأي اللذين قادا من صوت لليمين المتطرف، يجب أن يجدا أجوبة. هذه مسؤوليتي ومسؤولية المحيطين بي».
وليس من المتوقع أن تكون أمام ماكرون فترة سماح، حتى ولو قصيرة، بعد أن صوت كثيرون، وخصوصا من اليسار، له على مضض فقط لمنع اليمين المتطرف من الفوز. وربما تندلع مرة أخرى وبسرعة كبيرة الاحتجاجات كالتي شابت جزءا من فترته الرئاسية الأولى وعرفت بـ «السترات الصفراء»، بينما يحاول المضي قدما في الإصلاحات المؤيدة للشركات.
وقال وزير الصحة أوليفييه فيرون لقناة «بي.إف.إم» التلفزيونية «لن نفسد الانتصار.. لكن حزب (لوبان) سجل أعلى نتيجة له على الإطلاق».
واعتبر المحلل السياسي جيروم جافري عبر قناة LCI التابعة لشبكة TF1 الفرنسية أن انتصار ماكرون هو «إنجاز سياسي شخصي إلى حد ما لإيمانويل ماكرون»، مشيرا إلى أنه حقق «نتيجة واضحة جدا تنذر بلعبة سياسية في الأسابيع المقبلة، بشرط أن يعرف الرئيس استخلاص الدروس من انتخابات من هذا النوع».
في المقابل، اعتبرت لوبن أن ما حصدته من أصوات يشكل «انتصارا مدويا» وأن الفرنسيين الذين انتخبوها يعبرون عن «رغبة» بإقامة «سلطة قوية مضادة لإيمانويل ماكرون». وتعهدت بالمضي قدما، وأعلنت «إطلاق المعركة الانتخابية التشريعية الكبيرة»، وهي ان خسرت للمرة الثالثة الانتخابات الرئاسية، ولم تفلح في كسر «السد المنيع» الذي يشكله في كل مرة الفرنسيون منعا لانتصار اليمين المتطرف في فرنسا، لكن بحصولها على نتيجة مرتفعة، تضع عائلتها السياسية وأفكارها المتطرفة بشكل أكبر في صلب الساحة السياسية الفرنسية.
بدوره، وعد زعيم اليسار الراديكالي جان لوك ميلانشون، الذي حل في المركز الثالث في الجولة الأولى من الانتخابات، أن تكون الانتخابات التشريعية جحيما بالنسبة لماكرون، معتبرا أنه رئيس «انتخب بشكل سيئ»، وقال إن «الجولة الثالثة تبدأ هذا المساء».
ووصف ماكرون بـ «رئيس الأثرياء»، خصوصا بسبب قرارين اتخذهما في بداية ولايته ولم يقبلهما اليسار أبدا، هما إلغاء الضريبة على الثروات وتخفيض إعانات السكن.
وفور ورود النتائج الأولية، تقاطرت التهاني من معظم دول العالم ـ لاسيما زعماء الاتحاد الأوروبي ـ على الرئيس الوسطي المؤيد لأوروبا، حيث كتبت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين على «تويتر» مهنئة ماكرون «عزيزي إيمانويل ماكرون، أقدم كل تهاني لإعادة انتخابك (...) أبدي ارتياحي الى التمكن من مواصلة تعاوننا الممتاز. معا، سنمضي قدما بفرنسا وأوروبا».
وقال رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال على تويتر «في هذه المرحلة المضطربة، نحتاج الى أوروبا صلبة والى فرنسا ملتزمة تماما من أجل اتحاد أوروبي أكثر سيادة وأكثر استراتيجية».
كما اعتبر المستشار الألماني أولاف شولتس أن إعادة انتخاب ماكرون «إشارة قوية لصالح أوروبا».
وهنأ رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون ماكرون، مؤكدا أن فرنسا هي أحد حلفاء المملكة المتحدة «الأكثر قربا»، وغرد بالفرنسية «أنا مسرور بأن نواصل العمل معا على موضوعات رئيسية بالنسبة إلى بلدينا وإلى العالم».
وكتب رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو على «تويتر»، مرفقا نصه بصورة تجمعه بماكرون، «تهانينا ايمانويل ماكرون. أتطلع لمواصلة العمل معا على القضايا الأكثر أهمية للناس في كندا وفرنسا».
كما قدم الرئيس الأميركي جو بايدن التهنئة لنظيره الفرنسي بإعادة انتخابه، واصفا فرنسا بأنها «شريك رئيسي في مواجهة التحديات العالمية»، وكتب بايدن على تويتر «أتطلع إلى استمرار تعاوننا الوثيق، بما في ذلك دعم أوكرانيا والدفاع عن الديموقراطية ومواجهة تغير المناخ».
وتمنى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لماكرون، الذي تحدث معه مرارا منذ بدء الغزو الروسي، «نجاحات جديدة لما فيه خير الشعب (الفرنسي). إنني أقدر دعمه وأنا مقتنع بأننا نتقدم معا نحو انتصارات مشتركة جديدة. نحو أوروبا قوية وموحدة!».
ورغم التوترات الشديدة بين البلدين المرتبطة بالحرب في أوكرانيا، هنأ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمس ماكرون، وقال بوتين في رسالة عبر «تليغرام» أرسلها إلى ماكرون «أتمنى بصدق النجاح في نشاطكم العام، وكذلك الصحة الجيدة»، وفق ما جاء في بيان صادر عن الكرملين.
كذلك، بعث الرئيس الصيني شي جينبينغ رسالة إلى نظيره الفرنسي لـ «يهنئه» بإعادة انتخابه، وقال شي «أتمنى مواصلة العمل مع الرئيس ماكرون للدفاع عن مبادئ الاستقلال والتفاهم المتبادل والبصيرة والمنافع المتبادلة (..) كما كانت الحال منذ إقامة علاقاتنا الديبلوماسية».
واعتبر رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون أن فوز ماكرون هو «تعبير رائع عن الديموقراطية الليبرالية السارية في الأوقات المضطربة».