دمشق - هدى العبود
الويل والثبور وعظائم الأمور لمن يشار إليها بأنها ارتكبت إثما ما بحق المجتمع الشرقي الذي تعيش فيه.. الويل والثبور لها من قوانين صارمة لا ترحمها ولا ترحم أسرتها من مجتمع تمرس في تطبيق قوانين عفّى عليها الزمن إلا من أروقة المحاكم الشرعية العربية.
ونظرا لأهمية جرائم الشرف في مجتمعاتنا العربية، فقد كتبت الإعلامية ديانا جبور عشاريات صورت فيها العنف ضد النساء السوريات في أيام الحرب القاسية التي مرت على البلاد، ولاتزال المرأة السورية حتى اللحظة تدفع الثمن، والمخيف المرعب أن الأمر لا يقتصر على الشابات اليافعات او النساء الراشدات البالغات بل تطورت الحالات لتصل إلى الفتيات الصغيرات وآخرهن الطفلة جوى استنبولي التي زهقت روحها بحد سيف الرجولة الذي لا ولم يرحم طفولتها وسنها الصغيرة التي لا تتجاوز الثلاث سنوات.
أمام هذا الواقع المرير اتجهنا إلى السيناريست والناقد الإعلامي سامر إسماعيل لنقف على رأيه بهكذا موضوع أقلق مضاجع السوريين بل وكان أقسى عليهم من سنوات الحرب التي أكلت أحلامهم وقضت على الأخضر واليابس في البلاد لدرجة إفقار العباد.
بداية، كيف يقرأ الكاتب والناقد إسماعيل جرائم الشرف التي يعاني منعا المجتمع العربي عامة والسوري خاصة، لدرجة ان الكاتبة جبور خرجت عن المألوف بالأعمال التلفزيونية الى كتابة عشارية فضحت المستور؟
جرائم الشرف في مجتمعاتنا العربية تستهدف النساء والفتيات السوريات بشكل خاص وما زاد الطين بلة أن الحرب جعلت منهن طعما لها. فعلى مدى سنوات النزاع الدائر في البلاد منذ مارس 2011 كانت المرأة هي الضحية الأولى، سواء في المواجهات المسلحة، أو حتى في أعمال العنف المدرجة في الخانة الاجتماعية مثل التحرش والاستغلال الجنسي، والزواج المبكر، والاغتصاب الزوجي، والتنمر والعنف الأسري.
من هنا جاء اسم العشارية «شرف» عنوان المسلسل التلفزيوني الذي كتبته ديانا جبور وأخرجه مجيد الخطيب وعرض على (منصة «وياك») تصدت الكاتبة بجرأة لعديد من هذه الجرائم أو القتل بدعوى الشرف، وهي جرائم يرتكبها غالبا أحد الأعضاء الذكور في أسرة ما أو قريب ذكر من الأسرة، بحق أنثى تربطه بها صلة دم وثيقة وتعتبر غسلا للعار مع الأسف، لكن القتل وارتكاب الجرائم لا يقتصر على نساء متزوجات متهمات بخيانة أزواجهن بل تعدى ذلك إلى قتل فتيات صغيرات وشابات يافعات وأغلب تلك الجرائم تتسم بـ «سيناريوهات متشابهة نفذت بدوافع ذكورية» لأن ما يسيطر على المجتمع العربي هو العادات والتقاليد أكثر من القانون نفسه، فتكون العقوبة مخففة للغاية للدرجة التي قد تسمح للجاني نفسه بأن يسير في جنازة ضحيته، وهو ما يحدث في كثير من الحالات.
ماذا عن أهمية مضمون عشارية شرف للمخرج مجيد الخطيب خاصة وأنك تقول أنه استند إلى سيناريو إشكالي للكاتبة ديانا جبور؟
القتل من أجل الحفاظ على الشرف، أو القتل من أجل «غسل العار»، هو محور أحداث مسلسل «شرف» الذي يدور حول قصة الممرضة آسيا (أمل عرفة) التي تجد نفسها متورطة عاطفيا في إنقاذ مصير فتيات يستجرن بها من القتل، حين تحل مكان والدتها (صباح الجزائري) القابلة الشعبية التي تقدم بها العمر، وأعياها المرض، فتنوب عنها بالكشف على فتيات فقدن عذريتهن نتيجة تعرضهن للاغتصاب أو الخديعة، فتخفي حقيقة فقدانهن العفاف كي لا تعرضهن للذبح على أيدي أشقائهن أو آبائهن.
ينقل المسلسل قصص هؤلاء النسوة إلى الواجهة، فهذه التي يقتلها والدها جسد الشخصية الفنان (فراس إبراهيم) بعد أن يظن بها السوء، وتلك التي تتزوج من رجل سادي جسّد الدور (وائل رمضان) فيتشارك جسدها مع رجال آخرين، مرغما إياها على ممارسة البغاء في منزل الزوجية، أحداث دامية تنقلها كاميرا المخرج مجيد الخطيب الذي ابتعد عن السرد البصري التقليدي إلى معالجة رمزية، لتعاقب الأحداث وتطورها، والانتقال من مناظر عامة إلى توثيق الحياة الاجتماعية في الساحات الخلفية للحرب، وما يجري في هذه الأماكن المشبوهة من جرائم صامتة ضد النساء، وصولا إلى مكاشفات صادمة بين شخصيات «شرف» الذي تشابه في عنوانه مع العنوان والمضمون لرواية الكاتبة التركية أليف شفق (دار الآداب - 2013)، وتحدثت فيها عن حرية المرأة وشرف العائلة، والعادات والتقاليد التي تدفع النساء ثمنها باهظا، إلا أن النسخة السورية من «شرف» افترقت عن الرواية التركية في تشريح واقع القهر النسائي، ومحاولة تقديمه دراميا في تمييز الكاتبة بين مفهومي البطل والمجرم.
فقدمت نماذج مضادة للأب المتزمت والزوج المتهور في شخصيات من مثل الشقيق (مجد فضة) الذي وقف إلى جانب شقيقته (مرح حجاز) وأنقذها من الموت بعد محاولة دفنها حية ترزق على يد أبيهما.
وكذلك الأمر مع شخصية صارم (جوان خضر) الشاب الذي يتبنى طفلي الضحيتين النسائيتين اللتين تموت إحداهما، فيما تدخل الثانية السجن بعد قتل زوجها القواد.
ماذا تريد عشارية شرف وما الهدف الذي تريد تحقيقه وسط هذه الأحداث الدامية؟
كاتبة المسلسل ومخرجه من حملة ضد جرائم الشرف وهذه الحملة أطلقها «مرصد نساء سوريا» عام 2005، وهدفت إلى تغيير بنود المادة 548 من قانون العقوبات السوري، وتعديل المادة 192 من القانون نفسه، بحيث يجري اعتبار القتلة بهذا العذر كالقتلة في أي عذر آخر، من دون إمكانية الاستفادة المسبقة من القانون، وقد أثمرت هذه الحملة في إخراج «جرائم الشرف» من نطاق الصمت، واضطر القضاء السوري إلى الاعتراف بجرائم الشرف كجرائم قتل يعاقب عليها القانون، ولكن من دون أن يطبق على الرجل ما طبقه على المرأة، في حال وقوع الخيانة الزوجية، والقتل في فورة غضب الشريك، مما يجعل الدرب طويلا أمام نساء سوريات، ما زلن يخضعن لأعراف القبيلة والعائلة والطائفة وتبدو الحلقات العشر من مسلسل «شرف» بمنزلة قرع جرس الإنذار في مجتمع أنهكته حروبه الاجتماعية، وهي حرب بديلة تقودها ميليشيات ذات نزعات متطرفة، أو أفراد تعرضوا لما يسمى غسيل دماغ جماعي إزاء نسائهم وبناتهم.
تعاني النساء في مجتمع الحرب، ولاسيما في مخيمات اللجوء السورية ابتزازات جنسية تجعلهن الحلقة الأضعف في سلسلة اجتماعية، يكون فيها للذكور المحاربين حق ملكية النساء كسبايا ومهيضات جناح أو «ملك يمين»، من دون الاستفادة الفعلية من القوانين التي تم تعديلها.
فمازال القتلة يستفيدون من ظروف الحرب، وحالات الفقر والعوز التي خلفتها النزاعات من دون أي أمل في تطبيق القانون، أو اللجوء للقضاء.