يعلم جميعنا أهمية التعليم في إعداد وتدريب وتأهيل الموارد البشرية ودرجة تأثيره على تعزيز قوة الاقتصاد بالكويت، والذي تلقائيا ينعكس على حياة الجميع من مواطنين ومقيمين يعيشون معا في بلدنا الحبيبة الكويت، إلا أنه وبكل صراحة لدينا مشكلة حقيقية في منظومتنا التعليمية، ألا وهي ضعف قدرات وخبرات كل وزير للتربية، وخاصة هؤلاء الوزراء غير المتخصصين في التربية والتعليم المدرسي، وإن كانوا يحملون مؤهلات عليا في تخصصات الهندسة أو الإدارة، مما أدى إلى تدني جودة ومخرجات منظومة التعليم العام، وبالتالي تعرقل النهضة التعليمية والتقدم العلمي في البلاد. عموما، لن أركز على هذا السبب في هذه المقالة.
بوجهة نظري، كأستاذ جامعي متخصص وباحث تربوي، أن الحل لتطوير منظومة التعليم المدرسي العام في الكويت سهل جدا، ولكن يتطلب أن تبدأ الحكومة في تغيير نظام التعليم المدرسي العام كليا، وبمراقبة قريبة من سمو رئيس الوزراء، ليكون نظاما تعليميا جديدا مواكبا للتقدم العلمي من خلال توظيف الممارسات التعليمية الناجحة عالميا، وبالتالي ينتج عنها مخرجات ذات كفاءة وقادرة على تحقيق العمل المطلوبة باحترافية عالية في سوق العمل الكويتي.
وهذا التغيير في نظام التعليم المدرسي العام يجب أن يبدأ عملية التحول إلى نظام المسارات التعليمية التخصصية، والتي تبدأ في مرحلة التعليم العام المتوسطة وتنتهي في تخصصات التعليم العالي لكي تستطيع الحكومة تحقيق أهدافها الاستراتيجية الوطنية بدرجة عالية، مستهدفة التقدم التعليمي والعلمي المنشود والعائد المتوقع لاستثمارها في مواردها البشرية بدرجة تعكس ضخامة إنفاقها المالي على منظومة التعليم المدرسي العام.
ولتحقيق ذلك التحول إلى نظام المسارات التعليمية المتخصصة، فإنه يجب أن تتم إعادة هيكلة وزارة التربية، متضمنا تغيير النظام الإداري والتعليمي في قطاع التعليم العام وتطوير المناهج التعليمية بحيث تكون قائمة على أنماط التعلم والتي يبدأ التأسيس لها في مراحل التعليم في رياض الأطفال والابتدائية، ومن ثم تحديد أعداد الطلبة في هذه المراحل التعليمية حسب أنماط التعلم، لكي يلتحق مخرجاتها فيما بعد بالمسارات التعليمية ضمن مرحلة التعليم العام المتوسطة وصولا إلى مرحلة التعليم العام الثانوي، وذلك لاكتساب المعارف والمهارات التخصصية التي ستؤول بهم نحو تخصصات جامعية تستهدف وظائف محددة في سوق العمل الكويتي. علما أن أنماط التعلم كنواة لنظام المسارات التعليمية تحدد أنواع التخصصات التي سيتميز بها المتعلمين، خاصة أن الدراسات العلمية أشارت إلى العلاقة الإيجابية بين كفاءة الموظفين والمسارات التعليمية القائمة على أنماط التعلم.
كما أن المسارات التعليمية التخصصية القائمة على أنماط التعلم ستوفر للحكومة معرفة أعداد الوظائف في المستقبل من المتخصصين في كل المجالات، ومن أهمها الطب والهندسة وعلوم الكمبيوتر والإدارة والقانون والتربية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر، تستطيع الحكومة من خلال المسارات التعليمية القائمة على أنماط التعلم معرفة عدد المتعلمين من ذوي نمط التعلم التقاربي مسبقا والذين دائما يتميزون بالمقدرة العقلية العالية، خاصة أنهم يصنفون بالفائقين، والذين يشكلون ما بين 6 و10% من المتعلمين حسب العمر الزمني. وبالإضافة إلى ذلك، توجيه هؤلاء المتعلمين الفائقين للتعليم المكثف والمقصود وفقا لمسار تعليمي متخصص، بحيث يوظف به جميع الطرق والأساليب والوسائل والمناهج التعليمية المتخصصة المعتمدة على خبرتين أساسيتين، هما خبرة التفكير المجرد وخبرة التجربة العملية في التعليم وفقا للطريقة التي تفضلها العملية المعلوماتية بالذاكرة لدى كل متعلم فائق. وهكذا الحال بالنسبة لبقية المسارات التعليمية حسب أنماط التعلم.
وكمحصلة نهائية لتطبيق نظام المسارات التعليمية التخصصية القائمة على أنماط التعلم، سيصبح لدى وزارة التربية عدد معلوم من المتعلمين كمدخلات لهذه المسارات التعليمية وفقا لأنماط التعلم، وكذلك الحال بالنسبة لمؤسسات التعليم العالي، وبالتالي يستطيع ديوان الخدمة المدنية معرفة العدد المطلوب والمتوقع للوظائف التي سنحتاج اليها الدولة مستقبلا في القطاعين العام والخاص.
بالنهاية، هذا التحول نحو المسارات التعليمية التخصصية القائمة على أنماط التعلم أصبح ضرورة لتطوير منظومتنا التعليمية وتعزيز قوة الاقتصاد في الكويت، كما سيساعد الحكومة على تلبية احتياجات سوق العمل الكويتي من خلال إعداد وإدارة مواردها البشرية بطريقة مثبتة علميا من خلال نظام تعليمي ناجح.
والله من وراء القصد.