من دون مقدمات وباختصار، إن مشكلتنا التعليمية والأكاديمية تكمن في عملية اختيار القيادات لإدارة وتطوير وتحسين المؤسسات التعليمية والأكاديمية، خاصة أن الأساس في هذه العملية يرتكز ويقوم على الوجاهة أو الاستحواذ على المنافع دون وجه حق وبمخالفة للشرع والقانون والأخلاقيات المهنية. ولهذا، فإنه من المؤكد ستكون مؤسساتنا التعليمية والأكاديمية متدنية الأداء والإنتاجية، كما هو الواقع حاليا - وذلك مقارنة بحجم الإنفاق المالي وعلى العائد لهذا الاستثمار الحكومي في هذه المؤسسات التعليمية والأكاديمية.
إن القيادة بلا شك لها أهمية كبيرة نظريا، ولكن ليست ببسط السلطة الإدارية فقط على المؤسسة التعليمية أو الأكاديمية، بل تكمن في أهميتها التطبيقية من خلال كيفية إحداث التغيير وقيادته نحو التحسين المنشودة والمستمر بتوظيف أفضل الممارسات القيادية الناجحة لتحقيق المزيد من التطور والازدهار على المستويين المؤسسي والدولة، كون أن نجاح هذه القيادات مرتبط مباشرة بنجاح مخرجاتها التي تؤثر بشكل إيجابي في تعزيز وازدهار سوق العمل وقوة الاقتصاد بالدولة.
وهنا يأتي السؤال الحق، الذي يدور في أذهان جميع المواطنين، وهو كيف لنا أن نتطور بأداء ومخرجات مؤسساتنا التعليمية والأكاديمية في ظل ممارسة عملية الاختيار للقيادات بطرق تقليدية ومتحيزة ضد الكفاءات المعترف بها عالميا، بل وبتعارض واضح مع توجهات النظم التعليمية والأكاديمية المتقدمة والمدعمة بمستجدات البحوث والدراسات العلمية الرصينة، خاصة أن الترشيحات السابقة لتعيين تلك القيادات الفاقدة للمعرفة المتقدمة وللممارسة الناجحة، والتي يجب أن تكون ضمن معايير اختيارهم للمناصب والوظائف القيادية، قد أسفرت عن الاستمرار في التدني العميق بمستويات جودة التعليم لمؤسساتنا التعليمية والأكاديمية ومخرجاتها. ومنها على سبيل المثال لا الحصر، عندما يأتي قيادي ويعين مدير مؤسسة أكاديمية متدنية الأداء والمخرجات بعضوية مجلس إدارة أحد الأجهزة الرقابية الخاصة بمتابعة واعتماد جودة التعليم ومخرجاته، وآخر من نفس المؤسسة كرئيس ومشرف على تأسيس مؤسسة أكاديمية جديدة - فكيف لهما أن يؤسسا ويطورا مؤسسة وهما فشلا في تطوير مؤسسة أكاديمية قائمة أداراها لعدة سنوات، لذلك يكمن الفساد بهذا القيادي ومن قام بترشيحه أيضا لهذا المنصب القيادي. والأمثلة كثيرة ومتعددة للقيادات التي فشلت في إدارة المؤسسات التعليمية والأكاديمية، حيث تمت إدارتها وكأنها شركاتهم الخاصة بتعيين أقاربهم وأصدقائهم، ما أدى إلى استمرار الفشل آنذاك وما زال إلى الوقت الحالي.
وعليه، فإن الإجابة عن هذا التساؤل ليست مجهولة لدى الجميع، خاصة لدى المتنفذين ممن يرشح هؤلاء القيادات غير الناجحة لهذه المناصب القيادية، مع كامل الاحترام والتقدير لشخوصهم وأسرهم، ولكنها الحقيقة التي نتجاهلها بنهاية كل فصل من فصول الفشل المستمر في مؤسساتنا التعليمية والأكاديمية، ولا ننسى حدوثها من خلال التعذر ببداية جديدة بتعيينات مماثلة جديدة.
وبرأيي الشخصي، فإن الإجابة عن هذا التساؤل هو أن الاختيار والترشيح للقيادات خارج نطاق مقدرتنا كمواطنين، وذلك كونه من الأمور التي تتطلب التغلب على مصادر وأدوات النفوذ والمحسوبية والفئوية والحزبية والقبلية والعنصرية، والتي بكل وضوح أرهقت مؤسساتنا التعليمية والأكاديمية، وهو الأمر الصعب جدا تغييره.
إلا أنني أتمنى للمرحلة المقبلة، وخاصة بعد خطاب صاحب السمو الأمير الشيخ نواف الأحمد، وسمو ولي العهد الأمين الشيخ مشعل الأحمد، حفظهما الله، أن تقوم الحكومة الجديدة باختيار القيادات الجديدة بنجاح من خلال مراجعة ما قاموا بإعداده من دراسات متخصصة ترتبط ارتباطا وثيقا بنشاط المؤسسة المراد إدارتها بنجاح، بل ويجب أن تكون دراساتهم قد لقيت استحسانا كبيرا من القراء المتخصصين حول العالم، وذلك للتأكد من فكرهم النير والسليم علما ومنهجا رصينا، بالإضافة إلى التأكد من سيرته الأخلاقية، خاصة أن بعضهم يستغل مكانته الوظيفية بانحراف شديد مخالف للشرع والدين والضمير والأمانة والأخلاق والشرف..
والله من وراء القصد.
د.زيد الشمري
كلية التربية - جامعة الكويت