يبقى السؤال المهم: كيف ينال المرء محبة الله تعالى له؟ وهذه لعمر الله هي الغاية العظمى والمنال الأعظم، فإنه ليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن كل الشأن أن يحبك الله:
1- أول هذه الطرق تحقيق الصدق مع الله تعالى في محبتك له جل وعلا وإقامة البينة على حقيقة محبتك لله عز وجل، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم - المائدة: 54).
فهذه الآية تضمنت صفات المحبين، فهم الذين أحبوا وصدقوا، حيث قدموا دليلا واضحا على هذه المحبة كونهم ضحوا بأعز ما يملكون وهي النفس، فهم يجاهدون في سبيل محبوبهم، ولا يخافون فيه لومة لائم.
2- حسن الظن بالله عز وجل، قال تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر» أخرجه ابن ماجة، وحسن الظن بالله يتضمن الثقة بوعده ونصره ويتضمن إجابة دعاء من دعاه، والتوبة عمن ناجاه والثقة به سبحانه.
3- الثبات على الاستقامة والهداية والإسلام، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم - المائدة:54).
4- معرفة أسماء الله وصفاته وتدبرها وعقل معانيها، فما أحب الله من لم يعرفه، وما أحب الله من جهله، ومن صور التدبر لأسماء الله وصفاته النظر في الاسم والصفة ورؤية عظم آثارها وسعة ثمارها، ومنها صفة الرحمة والقدرة والعلم والحكمة، وغيرها من أسماء الله وصفاته.
5- الخلوة به سبحانه، والحرص على العبادات الخفية، فمن لم يأنس بالله لم ينل محبته لا سيما في ثلث الليل الآخير وزمان غفلة الناس، ولهذا الأمر صعب في أوله شاق في بدايته، لكن نتيجته وثمرته وأثره أبلغ من وصف الواصفين ومدح المادحين، قال بعض السلف ممن تلذذ بقيام الليل: «إنه لتمر بالقلب ساعات يرقص فيها ويطرب حتى إنه ليقول إن كان أهل الجنة فيما نحن فيه إنهم لفي نعيم عظيم».
6- من الطرق التي تنال بها محبة الله أن تحب من يحب الله، وتبغض من يبغض الله، فتحب أنبياءه وملائكته وأولياءه وأولى هؤلاء الصحابة الأخيار وآل بيت رسوله الأطهار، وتبغض من أبغضهم وتبرأ ممن انتقصهم وحط من قدرهم وأن توقن بأن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور، وقال تعالى في الحديث القدسي: «من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب».
7- دوام الذكر على كل حال سواء ذكر القلب أو الجوارح أو اللسان وأفضله التسبيح ففي الحديث: «كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان حبيبتان إلى الرحمن سبحان الله العظيم سبحان الله وبحمده» متفق عليه.
8- تقديم محاب الله على محاب نفسك عند غلبة الهوى، فبعض الناس من أدعياء محبة الله تعالى يسقطون عند أول اختبار بينما نجدهم يتورعون عما لهم فيه مندوحة، حتى إذا عرضت له شهوة دنيوية مما تتوق نفسه لها وتعلق قلبه بها وهو يعلم حكم الله فيها تحيل عليها وبرر لنفسه فعلها، ولهث وراء من يسوغ له فعلها ولو كان شيطانا رجيما فأنى لمثل هذا أن ينال محبة الله؟
9- الحرص على النوافل من نوافل الصلاة كالتطوعات ونوافل الصيام والصدقة وغيرها مما ليس واجبا على المكلف في أصل الشرع، قال تعالى: «وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها وإن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته» رواه البخاري.
10- محبة المؤمنين لأجل الله تعالى، فتحب المرء لدينه وإيمانه وصلاحه وتقواه، لا لجاهه وماله ودنياه، قال ﷺ: «ان رجلا زار أخا له في قرية أخرى فأرصد الله له على مدرجته ملكا فلما أتى عليه قال أين تريد قال أريد أخا لي في هذه القرية. قال هل لك عليه من نعمة تربها قال لا غير أنى أحببته في الله عز وجل. قال فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه». رواه مسلم.