في شهر رمضان المبارك يقبل المسلمون على تلاوة القرآن أكثر من أي وقت آخر، وقد سمي بشهر القرآن؛ لأنه نزل فيه، قال الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس) (البقرة: 186).
والقرآن الكريم هو كلام الله المنزل على رسوله محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم باللفظ والمعنى المتعبد بتلاوته، المحفوظ في الصدور والكتب، المتحدى بأقصر سورة منه، المنقول إلينا بالتواتر، والقرآن كتاب الله قليله كثير، وكثيره غزير، وهو في قلوب المؤمنين نور، وفي عقولهم تدبر وتفكر، وهو الذي يهدي للتي هي أقوم، فما أنفع حمله في القلوب وفي العقول، وحق علينا تلاوته والعمل به وتدبره واغتنام فوائده التي تمتاز بقرب الجنى وسهولة المأخذ، وقد يسره سبحانه للذكر، قال تعالى: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر).
في تلاوته فضل عظيم، فكل حرف منه بعشر حسنات وقد أمر الله سبحانه بتلاوته كما في قوله: (فاقرأوا ما تيسر من القرآن) (المزمل: 20).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه» أخرجه مسلم.
تلاوته في المصحف عبادة، وعن ظهر قلب عبادة، فمن رأى أن الخشوع يتحقق له بالقراءة في المصحف قرأ في المصحف، ومن رأى أن الخشوع يتحقق له عن ظهر قلب فعل ذلك، ولعل القول بالقراءة من المصحف مقدم على القراءة حفظا في غير الصلاة لكثرة الأدلة وقوتها في ذلك، ودفعا للخطأ واللحن وأقوى في الحفظ والاستذكار مع الثواب في ذلك.
إن القرآن حياة للقلوب ولا شيء أنفع للقلب من قراءته بتدبر وتفكر، فهو يورث لقارئه الخوف من الله والرجاء والإنابة والتوكل والصبر وسائر الأحوال التي بها كمال حياة القلب، ويزجر عن جميع الصفات والأحوال المذمومة التي بها غشاء القلب، وما أحسن قول الفضيل بن عياض: «حامل القرآن حامل راية الإسلام لا ينبغي أن يلغو مع من يلغو، ولا يسهو مع من يسهو ولا يلهو مع من يلهو»، وأحسن الآخر في قوله: «إذا أردت أن تتعلم الحكمة والصبر والرحمة ومكارم الأخلاق، فعليك بالقرآن والسنة ففيهما كل ذلك».
فعليك في هذا الشهر الكريم وفي كل حين بالقرآن من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، وذلك لأن القرآن حديث مباشر عن الله، عن ذاته، وعن أسمائه وصفاته وأفعاله، وهو حديث عن أهل الإيمان وما أعد الله لهم في الدنيا والآخرة.
وفيه حديث عمن وقعوا في الشرك والكفر، وما أعد لهم الله في الدنيا والآخرة، وفيه حديث عن الجنة وعن النار، فإن قراءة القرآن بالتفكر والتدبر هي أصل صلاح القلب والجوارح، فالمطلوب من تالي القرآن فهم معانيه، والعمل به.
فالعاقل من يحلّ حلاله، ويحرّم حرامه، ويقف عند نهيه ويأتمر بأمره، ويعمل بمحكمه، ويؤمن بمتشابهه، ويقيم حدوده وحروفه.
قلت:
ذكر صداه في الصدور لطيف
فيه قلوب المؤمنين تطوف
ترتيله فيه السكينة والهدى
فكأنه ثوب علينا كثيف
أكرم بقرّاء الكتاب يحفهم
نور تبدى للعيون رفيف