إن ظاهرة قسوة القلوب بين أفراد المجتمع المسلم هي ظاهرة غريبة وخطيرة في الوقت نفسه، ووصفتها بالغريبة، لأن طبيعة العقيدة الإسلامية قائمة على أساس الإيمان والبعث والجزاء، وعلى مبدأ الرحمة والإخاء (إنما المؤمنون إخوة) الحجرات 10، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الله» وقال أيضا: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، وقسوة القلوب تتنافى مع ما تقدم من إخاء ورحمة وهما من صلب الدين، فهي غريبة عن الدين الحنيف ونبينا هو نبي الرحمة.
وهذه القسوة تنجم عادة عن الكفر والظلم، قال تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعنّاهم وجعلنا قلوبهم قاسية..) (المائدة: 11).
أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة، بل إن لم تزد على قسوة الحجارة، فمن قسا قلبه لا يبالي في حقوق غيره، فلا يرحم طفلا ولا مسنا ولا ضعيفا، وقاسي القلب لا يهمه إلا بطنه ولهوه وشهوته، وماله، فلا يهمه انتشار بدعة أو فتح دهاليز شهوة محرمة، فقساة القلوب أهملوا دينهم وأولادهم، فلا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، ولمثل هؤلاء خلق الله النار.
عن أبي هريرة قال: قبّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدا! فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «من لا يرحم لا يُرحم».
قال ابن قيم الجوزية: «ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبُعد عن الله خلقت النار لإذابة القلوب القاسية، أبعد القلوب من الله القلب القاسي إذا قسي القلب قحطت العين قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة الأكل والنوم والكلام والمخالطة، كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجع فيه المواعظ، ومن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، القلوب آنية الله في أرضه فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهودة ورجعت إلى أصحابها بغرائب الحكم وطرف الفوائد إذا غذي القلب بالتذكر وسقي بالتفكر ونقي من الدغل رأى العجائب وألهم الحكمة ليس كل من تحلى بالمعرفة والحكمة وانتحلها كان من أهلها، بل أهل المعرفة والحكمة الذين أحيوا قلوبهم بقتل الهوى، وأما من قتل قلبه فأحيا الهوى المعرفة والحكمة عارية على لسانه خراب القلب من الأمن والغفلة وعمارته من الخشية والذكر، إذا زهدت القلوب في موائد الدنيا قعدت على موائد الآخرة بين أهل تلك الدعوة وإذا رضيت بموائد الدنيا فاتتها تلك».
وقسوة القلوب خطيرة لأن مجتمعنا حين تنعدم فيه الرحمة سينعدم الخير ويعمه الشر ويكثر الفساد، وبالتالي يصبح مجتمعا شقيا وتعيسا، وسبب تلك الظاهرة في مجتمعنا خلل أصاب عقيدتنا الإسلامية، وذلك نتيجة الكيد المستمر للإسلام، وعلاج هذه الظاهرة يتم من خلال الإقبال على الطاعات والذكر وتلاوة القرآن الكريم والابتعاد عن الأشرار وأن نصاحب الأخيار.
وفي هذا الشهر المبارك فرصة يغتنمها من قسا قلبه فآب إلى رشده، وهو شهر كريم تظهر فيه الرحمة للفقراء والمساكين في أبهى صورها، فعلينا بالاجتهاد بالذكر والطاعات والإحسان ولنتذكر قوله تعالى: (ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله) (الحديد 11).
قال الناظم:
وداوِ ضميرَ القلب بالبرِّ والتُّقى
فلا يستوي قلبان: قاسٍ وخاشعُ