في عام 2022، كان «سام بانكمان-فرايد» يتصدر صفحات الصحف والمواقع الإلكترونية باعتباره مليارديرا شابا يدير واحدة من أكبر منصات تداول العملات المشفرة.
لكن الأسبوع الماضي حكم قاض أميركي على الشاب البالغ 32 عاما بالسجن لمدة 25 عاما، في واحدة من أكبر عمليات الاحتيال المالي في التاريخ الأمريكي، فقد حكم على مؤسس منصة «إف تي إكس» بالسجن لمدة 25 عاما بتهمة الاحتيال والتآمر الذي قضى على بورصة العملات المشفرة الخاصة به وصندوق التحوط المرتبط بها «ألاميدا ريسيرش».
وقال ممثلو الادعاء إن «بانكمان-فرايد» قاد مؤامرة لنهب أموال العملاء للقيام باستثمارات وتمويل تبرعات سياسية إلى كل من الحزبين الديمقراطي والجمهوري ولاستخدامه الشخصي، بالإضافة إلى سداد قروض حصلت عليها شركة «ألاميدا ريسيرش».
من جانبه، ادعى «بانكمان» قبل صدور الحكم أن مليارات الدولارات التي خسرها عملاء المنصة كانت نتيجة أزمة سيولة أو سوء الإدارة وليس الاحتيال.
ويخطط المستثمر الشاب للاستئناف ضد الحكم بإدانته وسجنه، مع تأكيد محاميه أن عملاء المنصة سيحصلون على معظم أموالهم.
رحلة الصعود السريع
انخرط «بانكمان» بشكل شخصي في التداول بسوق العملات المشفرة، ليحقق بعض المكاسب التي دفعته لتعزيز اهتمامه بالسوق، وفي عام 2017 استقال «بانكمان» الذي تخرج بمعهد «ماساتشوستس» للتكنولوجيا من عمله في التداول الكمي في شركة «جين ستريت كابيتال» ليؤسس شركة «ألاميدا ريسيرش» للتداول والتي تركز على العملات المشفرة.
وقال «بانكمان» لاحقا إن «ألاميدا» حققت في بعض الأوقات مكاسب يومية وصلت إلى مليون دولار من تداول البيتكوين.
وفي عام 2019 دفع نجاح «ألاميدا» الملياردير الشاب آنذاك لتأسيس منصة «إف تي إكس» بالاشتراك مع موظف «غوغل» السابق «جراي وانج»، كمنصة جديدة لتداول العملات المشفرة والخيارات الخاصة بها، واهتم «بانكمان» بالإعلان عن منصته في المحافل الرياضية، والتي تثير اهتمام الشباب عادة، وهي الفئة العمرية التي تستهدفها المنصة.
وسرعان ما زين شعار «إف تي إكس» الكثير من المحافل الرياضية، ما يشمل سباقات السيارات «فورمولا وان» وساحات كرة السلة في ميامي، لينجح في جذب ملايين الأشخاص إلى منصته.
ولم يكتف الشاب بالرياضة فحسب، لكنه أصبح سريعا لاعبا أساسيا في واشنطن كواحد من كبار المتبرعين للحزب الديموقراطي.
وفي أكتوبر 2021 جمعت منصة «إف تي إكس» نحو 420 مليون دولار من التمويل، مع تقييم الشركة بنحو 25 مليار دولار، ليظهر «بانكمان» للمرة الأولى في قائمة «فوربس» للمليارديرات، مع تقدير ثروته الصافية بنحو 22.5 مليار دولار، في حين قدرت المجلة، أن ثروة الشاب ستصل إلى 26 مليار دولار بحلول نهاية نفس العام، وهي ثروة نظرية نتيجة تقييم المنصة.
وقبل السقوط المدوي كان «بانكمان-فرايد» بمنزلة النجم في سماء عالم العملات المشفرة والأسواق المالية، وسط عبارات ثناء من جانب شخصيات شهيرة مثل الرئيس الأمريكي الأسبق «بيل كلينتون» وعمدة نيويورك «إريك آدمز».
وفي يوليو 2022 ظهر «بانكمان» باعتباره «الفارس الأبيض» مع انهيار سعر عملة البيتكوين المشفرة والأصول الرقمية الأخرى، حيث منحت شركة «ألاميدا» منصة إقراض العملات المشفرة «فوييجر ديجيتال» خط ائتمان بقيمة 200 مليون دولار، في الوقت الذي منحت فيه «إف تي إكس» منصة إقراض العملات المشفرة «بلوك في» قرضا بقيمة 250 مليون دولار.
وبلغت قيمة منصة «إف تي إكس» للعملات المشفرة قبل انهيارها نحو 32 مليار دولار، لكن تراجع سوق العملات المشفرة تسبب في متاعب غير مرئية لمنصة «إف تي إكس» وصندوقها التابع «ألاميدا»، قبل أن يتسبب في انهيار كليهما سريعا.
سوء إدارة أم تلاعب؟
تمتلك «إف تي إكس» خطين من الأعمال، الأول يتمثل في الوساطة، حيث يقوم العملاء بإيداع الأموال وشراء وبيع الأصول المشفرة عبر المنصة، بينما كانت الذراع الثانية للأعمال هي صندوق التحوط التابع لـ «إف تي إكس» والذي يحمل اسم «ألاميدا»، وهو الذي يتخذ مراكز للمضاربة على الأصول المشفرة.
وذكر المحققون، أنه مع تعرض «ألاميدا» لخسائر ضخمة بالتزامن مع تراجع سوق العملات المشفرة، قام «بانكمان» بتوجيه الأموال من حسابات العملاء في منصة «إف تي إكس» إلى صندوق التحوط الخاص به لتغطية الخسائر الكبيرة، كما أشار المحققون إلى أن «بانكمان» أنشأ أيضا ثغرات سرية في كود الكومبيوتر لمنصة «إف تي إكس»، ما سمح لشركة «ألاميدا» بتسجيل رصيد بالسالب بقيمة مليارات الدولارات لم يتمكن الصندوق من سداده.
كما شملت الاتهامات الكذب على أحد البنوك، لفتح حسابات مصرفية، والتهرب من اللوائح المصرفية، بالإضافة إلى تقديم رشوة لمسؤولين صينيين في محاولة لاستعادة الوصول إلى حسابات المصرفية تم تجميدها في بكين أثناء التحقيق.
واتهم المحققون أيضا «بانكمان» باستخدام أموال العملاء لأغراض خاصة، تشمل شراء منازل وغيرها من الأصول الشخصية.
نهاية مأساوية للطفرة
وفي نوفمبر 2022 نشر موقع «كوين ديسك» تسريبا للميزانية العمومية لشركة «ألاميدا ريسيرش» التابعة لـ «بانكمان» يظهر أن معظم أصول الشركة البالغة 14.6 مليار دولار يتم الاحتفاظ بها في عملة «إف تي إكس» الخاصة، والتي تحمل اسم «إف تي تي»، وبعد هذا التسريب مباشرة، خسرت العملة المشفرة حوالي 400 مليون دولار من قيمتها السوقية، في الوقت الذي ذكرت فيه بورصة «باينانس» المنافسة أنها ستبيع حيازتها من عملة «إف تي تي».
وأثارت هذه التقارير مخاوف العملاء في منصة «إف تي إكس»، لتشهد المنصة موجة من عمليات سحب الأموال من جانب العملاء القلقين.
وأعلن «تشانجبينج تشاو» الرئيس التنفيذي لمنصة «بينانس» توقيع خطاب نوايا لشراء «إف تي إكس»، لكن بعد أيام من النظر في ميزانية الشركة قرر الملياردير العامل في سوق العملات المشفرة عدم إتمام اتفاق الشراء. وفي نوفمبر 2022، تقدمت «إف تي إكس» بطلب للحماية من الإفلاس في الولايات المتحدة، مع إعلان «بانكمان» استقالته كرئيس تنفيذي للشركة، كما انهارت ثروة «بانكمان» بشكل أسرع من وتيرة تكوينها، لتتراجع إلى حوالي الصفر في غضون أيام قليلة. لكن في ديسمبر من نفس العام تم إلقاء القبض على «بانكمان» في البهاما، حيث يعيش الملياردير الشاب السابق ويقع المقر الرئيسي للمنصة، فيما أعلن مكتب المدعي العام في مانهاتن لاحقا أن هناك أمرا قضائيا باتهام «بانكمان» بالاحتيال والتآمر. وكشف المحققون أن «وانج» والرئيس التنفيذي لشركة «ألاميدا» أقرا بالاتهامات الموجهة لهما، مع الموافقة على التعاون مع المحققين في القضية.
وفي يناير 2023 رفض «بانكمان» الاعتراف بالذنب في اتهامات الاحتيال والاستيلاء على أموال العملاء، ملقين باللوم في انهيار المنصة على الاتجاه الهابط لسوق العملات المشفرة.
ومع بداية نظر القضية في محكمة مانهاتن الفيدرالية، أصر «بانكمان» على أنه لم يخدع أيا من عملائه ولم يستول على مليارات من أموال عملاء المنصة، لكن في نوفمبر 2023، قضت هيئة المحلفين بأن «بانكمان» مذنب في التهم السبعة التي تم اتهامه بها من قبل المدعين، قبل أن يحكم القاضي بسجن الملياردير السابق لمدة 25 عاما.