قال تقرير صادر عن بنك الكويت الوطني، إنه بعد النمو القوي الذي سجل العام الماضي، تراجع النمو الاقتصادي في البحرين وعُمان وقطر في عام 2023 على خلفية السياسة النقدية الانكماشية والنمو المحدود الذي سجله قطاع النفط والغاز.
ومن المتوقع أن يتحسن النمو في عام 2024 بفضل الزيادة المتوقعة لإنتاج النفط في البحرين وسلطنة عُمان، في حين من المقرر أن يستمر القطاع غير النفطي في تعزيز أداء الاقتصاد القطري بدعم من مواصلة الإنفاق على المشاريع التنموية وقوة الطلب الاستهلاكي.
كما يتوقع أن تتراجع أوضاع المالية العامة نتيجة لانخفاض أسعار النفط من أعلى مستوياتها المسجلة في عام 2022. وتمثل العوامل الجيوسياسية المعاكسة وانخفاض أسعار النفط التي تضعف أرصدة المالية العامة أبرز التحديات الجوهرية، في حين أن انخفاض أسعار الفائدة، وارتفاع أسعار الطاقة، وقوة الإنفاق على المشاريع التنموية، وتسارع وتيرة الإصلاحات تعتبر من العوامل الداعمة للتوقعات المستقبلية.
البحرين: انتعاش النمو في عام 2024 بفضل تعافي القطاع النفطي
بعد تراجع النمو الاقتصادي لنحو 2.5% العام الماضي في ظل تشديد الأوضاع المالية العامة والنمو السلبي لقطاع النفط، من المتوقع أن يرتفع معدل النمو الاقتصادي في عام 2024 بدعم من انتعاش قطاعي النفط والغاز مع اكتمال أعمال الصيانة في حقل أبو سعفة.
وقد يشهد نمو الاقتصاد غير النفطي، والذي يشكل الآن ما نسبته 84% من الناتج المحلي الإجمالي، مسارا متباطئا بنمو يصل لنحو 3% في كل من عامي 2024 و2025 مقابل 3.5% خلال العام الماضي، متأثرا بارتفاع أسعار الفائدة (وإن كانت قد تتجه للانخفاض) والجهود الحكومية لضبط أوضاع المالية العامة.
وتشمل العوامل الإيجابية تحسن معدلات السياحة (نما الناتج المحلي الإجمالي لقطاع الفنادق بنسبة 19% على أساس سنوي في الربع الرابع من عام 2023) والنمو القوي لقطاع الخدمات، إضافة إلى خطة التعافي الاقتصادي الحكومية والتي تستهدف زيادة الإنفاق على المشاريع والاستثمار الأجنبي المباشر ورفع معدلات توظيف المواطنين البحرينيين بوتيرة قوية.
ومن المتوقع أيضا أن يكتمل مشروع توسعة مصفاة بابكو الذي طال انتظاره في عام 2025، ما يوفر قوى دافعة للأنشطة غير النفطية. وفي الوقت ذاته، كان تضخم أسعار المستهلكين محدودا في عام 2023، ومن المرجح أن يبقى دون مستوى 2% هذا العام.
وأسفرت جهود ضبط أوضاع المالية العامة منذ الجائحة عن نتائج إيجابية للغاية، رغم توقع وصول العجز لنحو 3-4% من الناتج المحلي الإجمالي في السنة المالية 2024/2025 نتيجة ارتفاع مدفوعات الفائدة، وتباطؤ إحراز تقدم على جبهة نمو الإيرادات غير النفطية، وانخفاض أسعار السلع الأساسية مقارنة بمستويات الذروة المسجلة في عام 2022.
وقد يتم تمديد الموعد المستهدف للوصول لميزانية حكومية متوازنة (2024)، إلا أن ضبط النفقات بطريقة فعالة وجهود زيادة الإيرادات ستضمن استمرار الدعم المالي القوي الذي تقدمه دول مجلس التعاون الخليجي. وقد يسهم ارتفاع تكاليف تمديد الدين المرتفعة (نتيجة لارتفاع أسعار الفائدة) في زيادة نسبة الدين للناتج المحلي الإجمالي إلى 117% بحلول عام 2025.
وتنبع المخاطر الرئيسية على آفاق نمو الاقتصاد البحريني من التعرض لصدمات سلبية على صعيد أسعار النفط، الأمر الذي قد يقوض عملية ضبط أوضاع المالية العامة، إلى جانب التصنيف الائتماني الذي ما يزال منخفضا مقارنة بنظرائها، والضغوط الناجمة عن انخفاض الاحتياطيات من العملات الأجنبية.
سلطنة عُمان: تقدم الإصلاحات يعود بفوائد اقتصادية
أصبحت آفاق الاقتصاد العماني أكثر إيجابية بعد وضع برنامج منسق للتوازن المالي وإحراز تقدم ملحوظ على صعيد الإصلاحات الرئيسية في إطار برنامج رؤية عمان 2040. ومن المتوقع أن يتراوح النمو الاقتصادي غير النفطي بين 2.5-3% في عامي 2024 و2025، رغم ظهور بعض الرياح المعاكسة الناجمة عن استمرار ارتفاع أسعار الفائدة، وضبط الإنفاق العام، وتراجع نمو الوظائف بعد الجائحة. ونرى أن الحكومة ما تزال ملتزمة بتحويل مسارها الاقتصادي (بما في ذلك خفض حصة قطاع الهيدروكربونات من الناتج المحلي الإجمالي إلى 8% بحلول عام 2040 من نحو 30% مؤخرا)، مما أدى لإعادة تنظيم الهيئات المرتبطة بالحكومة، وتقليص برامج الدعم، وتطبيق عدد من الخطوات الناجحة لتعزيز مشاركة المرأة في القوى العاملة، إلى جانب تدشين صندوق «عمان المستقبل» في يناير 2024 بقيمة 5 مليارات دولار بهدف تحفيز الاستثمار المحلي في قطاعات مثل السياحة، والتصنيع، والطاقة الخضراء.
أما على صعيد الناتج المحلي الإجمالي النفطي في عام 2024، فمن المتوقع أن يتأثر سلبا جراء المشاركة في تخفيضات حصص الإنتاج وفقا لسياسة منظمة الأوبك وحلفائها، إلا أن إنتاج المكثفات النفطية قد ينمو، كما أن الاكتتابات العامة الأولية المتعددة في قطاع الطاقة يمكن أن تعزز الاستثمار خلال هذا العام.
ومن المرجح تسجيل فائض ضئيل في المالية العامة خلال فترة التوقع، في ظل تراجع مواطن الضعف السابقة بفضل عدد من العوامل التي تتضمن ارتفاع أسعار النفط وضبط السياسات العامة. ووفقا لموازنة عام 2024، فمن المقرر أن ترتفع النفقات بمعدل متواضع يبلغ 3%، مع ثبات مستويات النفقات الرأسمالية. وأعطت الحكومة الأولوية لخفض مستوى الدين الذي هبط إلى النصف منذ عام 2020 ليصل إلى 34% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2023، الأمر الذي نجم عنه رفع التصنيف الائتماني لسلطنة عُمان، رغم أن قلة الفوائض المالية في المستقبل قد تبطئ معدل خفض الديون. وقد تتحسن آفاق النمو بمعدلات أعلى من المتوقع في حالة تسارع وتيرة النمو غير النفطي إذا حقق برنامج الإصلاح نتائج أقوى من المتوقع، أما المخاطر الرئيسية فتتمثل في التراجع الحاد لأسعار النفط، الأمر الذي قد يؤدي لتسجيل الموازنة مرة أخرى لعجز ملحوظ ويعطل زخم الإصلاحات.
قطر: نمو معتدل قبيل زيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال
من المتوقع أن يتسارع النمو غير النفطي إلى 2-3% في عامي 2024 و2025، وذلك بعد انخفاضه في العام الماضي في أعقاب استضافة بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022. وستسهم عدد من العوامل في دعم الطلب المحلي كالتحسن الذي شهده نمو الائتمان مؤخرا، وارتفاع قراءة مؤشر مديري المشتريات فوق حاجز 50 نقطة، واستمرار ارتفاع أعداد الزوار، الأمر الذي من شأنه أن يدفع النمو غير النفطي خلال فترة التوقع.
من جهة أخرى، نرى أن تلاشي آثار الأداء القوي والاستثنائي الذي شهدناه في عام 2022، وخفض أسعار الفائدة - في نهاية المطاف - وإن كان من مستوياتها المرتفعة، يعتبران من أبرز العوامل الإضافية التي قد تساهم في تعزيز النمو. ورغم ذلك، سيكون نمو الناتج المحلي الإجمالي متواضعا نسبيا في ظل الموازنات متعادلة النمو والمكاسب الضئيلة المحققة من إنتاج الهيدروكربونات حتى عام 2026، وهو الموعد المتوقع لانتهاء قطر من أعمال المرحلة الأولى من توسيع الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال، ليصل إنتاجها إلى 110 ملايين طن سنويا (زيادة بنسبة 43%). ومن المتوقع أن يستقر إنتاج النفط الخام عند مستوى 0.6 مليون برميل يوميا في عامي 2024 و2025.
ونتوقع تحقيق فوائض مالية قوية في عامي 2024 و2025 (نحو 7-8% من الناتج) نتيجة النمو المتواضع المتوقع لإيرادات قطاع الهيدروكربونات واستمرار ضبط الإنفاق. ونتيجة لذلك، فمن المتوقع أن يستمر إجمالي الدين العام في الانخفاض ليصل إلى 45% من الناتج في عام 2025 مقابل أكثر من 60% في عام 2021. أما بعد عام 2025، فنرى إمكانية تحقيق فوائض مالية أكبر بعد زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال، والتي يمكن استخدام إيراداتها في الإنفاق الرأسمالي المرتبط بخطة التنمية. وفي واقع الأمر، من المخطط الآن مضاعفة الطاقة الإنتاجية للغاز الطبيعي المسال بحلول عام 2030 إلى 142 مليون طن سنويا مقابل 77 مليون طن سنويا في الوقت الحالي، أي أعلى من التقديرات السابقة للمستوى المستهدف البالغة 127 مليون طن سنويا، ما يسمح لقطر بالاستحواذ على حصة أكبر من سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي.
وفي ضوء ما سبق، قد يتخطى النمو التوقعات، خاصة في حالة ارتفاع أسعار الغاز نتيجة لنقص الإمدادات أو زيادة الطلب، في حين تتمثل المخاطر بصفة رئيسية في التداعيات السلبية للأوضاع الجيوسياسية وانخفاض أسعار الغاز وتراجع معدلات الطلب في حالة حدوث ركود عالمي.