ياسر العيلة
الحفلات الغنائية والموسيقية والأمسيات الفنية التي تقام في مركز جابر الأحمد الثقافي دائما ما تكون مختلفة ومتميزة ولها مذاق خاص عن باقي الحفلات التي تقام في أماكن أخرى، وسبب ذلك من وجهة نظري نوعية الجمهور الذي يتواجد في هذه المناسبات الفنية فهم جمهور ناضج ومتذوق للفن بشكل كبير، يستمتعون بأوقاتهم خلال تلك الحفلات، ويستذكرون أجمل ذكرياتهم مع الأغاني التي تقدم من خلالها.
وأيضا من أسباب تميز حفلات مركز الشيخ جابر الجهود الكبيرة التي يبذلها القائمون عليه من الجميع بلا استثناء، فجميعهم يعملون على الدفع بالحركة الفنية إلى الأمام، وتوفير جميع السبل لنجاح العروض وإعادة الجمهور إلى المسرح مرة أخرى بشكل راق ومميز، وأشعر دائما في كل مناسبة اتواجد فيها بالمركز بأن الجميع هنا ملتزمون بجعل الثقافة في متناول الكل، ومساهمتهم في تطوير صناعة الترفيه في الكويت من خلال عروض غنائية موسيقية تنبض بالحياة.
وفي هذا السياق، لم يكن اختيار السيدة أم كلثوم التي لقبت بـ«سيدة الغناء العربي»، من قبل الجهة المنتجة للحفل المجموعة الوطنية للصناعات الإبداعية (NCIG) عشوائيا، فهي إحدى أهم أيقونات الطرب في العالم العربي، وتعد أعمالها نموذجا للتفرد، ولذلك ما زالت تحيا في وجدان الجمهور الذي يتزايد على الرغم من وفاتها منذ 49 عاما واصبحت أغنياتها غير مقتصرة على فئة كبار السن فقط، فقد كان اختيارا موفقا من الجهة المنتجة واستطاع الحفل أن يجذب إلى المسرح جمهورا غفيرا على مدار يومين متتاليين بشكل غير مسبوق، ويعد الأول من نوعه في الكويت من خلال تقديم عمل مسرحي درامي استعراضي غنائي بعنوان «أم كلثوم مع مروة ناجي»، بطولة الفنانة مروة ناجي، ومشاركة فريق من الممثلين المحترفين، ومن اخراج مصطفى عبدالسلام، وبمصاحبة فرقة موسيقية رائعة بقيادة المايسترو د.إيهاب عبدالحميد.
وبالعودة إلى المسرحية الغنائية التي تم تقديمها على فصلين، الأول تناول مشوار أم كلثوم منذ الطفولة وتأثرها الشديد بالشيخ أبوالعلا محمد، ثم انتقلت بنا الاحداث لنتعرف على رحلتها إلى القاهرة واستقرارها فيها والالتقاء بالشاعر أحمد رامي والملحنين محمد القصبجي ورياض السنباطي والتي استطاعت من خلال موهبتها الفذة وتعاونها معهم إلى الوصول لقمة الغناء في مصر.
وتخلل الفصل الأول مجموعة من الأناشيد والاغاني مثل «إن كنت أسامح» و«يا ليلة العيد» و«أنا في انتظارك» و«غنيلي شوي شوي» التي رددها الحضور مع المطربة مروة ناجي التي جسدت شخصية «كوكب الشرق» في العمل، وقدمت مروة ايضا أغاني اخرى، منها «عودت عيني» و«لسه فاكر».
وتناول الفصل الثاني لقاء السحاب بين أم كلثوم والموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب من خلال أغنية «أنت عمري»، واستعرض هذا الفصل اهم الأشخاص الذين تعاونت معهم من شعراء، مثل عبدالوهاب محمد ومرسي جميل عزيز، ومن الملحنين بليغ حمدي ومحمد الموجي وسيد مكاوي الذي كان القاسم المشترك في الأداء التمثيلي مع أم كلثوم.
وسلط آخر جزء في الفصل الثاني الضوء على الأعوام الأخيرة في حياتها وفترة مرضها، والاغنية الأخيرة التي قامت بعمل بروفات لها ولم يمهلها القدر لتغنيها وهي «أوقاتي بتحلو» من ألحان سيد مكاوي وكلمات عبدالوهاب محمد، وهي الأغنية التي قدمتها فيما بعد المطربة الراحلة وردة الجزائرية.
وشدت مروة ناجي في هذا الفصل أغاني «حيرت قلبي» و«سيرة الحب» و«ألف ليلة وليلة» و«فات الميعاد» و«أنت عمري» و«فكروني» و«أوقاتي بتحلو»، وختمت بأغنية «دارنا يا دار» لتؤكد ناجي انها مطربة من طراز خاص تملك صوتا فخما وقويا لامس مشاعر وقلوب كل الجمهور والذي غنى معها طربا على استحياء في اول أغنيتين، لكن انطلق الجميع بمشاعرهم واحساسهم، ورددوا معها كلمات الأغنيات في منظر جميل.
وللحقيقة كلنا شعرنا بأن مروة ناجي أعادت أم كلثوم للحياة من جديد من خلال هذا الحفل، وكشفت عن انها تملك موهبة متميزة في التمثيل لا تقل عن موهبتها في الغناء، حيث تقمصت شخصية «كوكب الشرق» بكل تفاصيلها وحركات يديها، واستعانت بمنديل ونظارة، فشعرنا بأننا نشاهد ام كلثوم بالفعل على المسرح.
اما على مستوى الأداء المسرحي فلدي ملاحظتان، الأولى ان الإضاءة لم تكن موفقة ولم تخدم العمل، بل ربما اضعفت منه بعض الشيء، فلم نشاهد وجوه المطربة والممثلين بشكل واضح في اغلب أوقات العرض، وعندما يقوم عازف من أعضاء الفرقة بتقديم عزف منفرد على آلة الناي أو القانون أو الكمان لم تسلط بقعة ضوء عليه ليراه الحضور، خاصة انهم صفقوا على عزف لكل عازف منهم كثيرا.
اما الملحوظة الثانية فان تقنية «الهولوغرام» التي تم استخدامها في العمل لم تكن مؤثرة بالشكل اللافت، بالرغم من ضخامة الانتاج، وكان من الممكن ان تقدم بطريقة افضل من ذلك بكثير وبحجم اكبر من الذي رأيناه في الحفل.
فتقنية «الهولوغرام» عبارة عن عرض مرئي يقوم بإعادة إنشاء الصورة بشكل ثلاثي الأبعاد وبتقنية عالية الجودة، لتظهر الصورة في الهواء كمجسم هلامي ثلاثي الأبعاد ويظهر كطيف من الألوان يتجسد على الشكل المراد عرضه، وأيضا من مميزات هذه التقنية انها تتيح للجمهور إمكانية مشاهدة الأجسام ورؤيتها من جميع الاتجاهات، لكن جمال صوت وأداء مروة ناجي غطى على أي ملاحظة، وجعلتنا نستمتع بكل لحظة في هذا العرض الفني الاستثنائي الخاص باسم كبير في تاريخ الغناء العربي وهي الراحلة أم كلثوم التي شعرت في لحظة خيالية بأنها ستقوم من وسط «الهولوغرام» باحتضان وتقبيل مروة على أدائها الراقي وأنها قدمت اغنياتها بهذا الإحساس العالي.