ذكرى حركة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر التغييرية في ثورة 23 يوليو 1952 هي مناسبة تحمل بداية «مشروع نهضوي» عاشه شباب عربي قدموا التجربة والمثال على إصرار مجموعة مخلصة هادفة لصناعة «الاستقلال» والتحرر من الأجانب وطرد الغرباء وتحقيق عودة للحالة الحضارية المفقودة من الواقع، لعل ذلك «المشروع» مع كل سلبياته وإيجابياته الذي عاشه العرب، كل العرب، وتفاعلوا معه انطلاقا من «مصر» هو ما أبقى هذه الذكرى تعيش في الضمير وتبقى في الوجدان ونتذكرها في كل عام.
لقد كان جمال عبدالناصر زعيما قائدا لهذا «المشروع» على مدى 18 عاما كان فيها رئيسا للجمهورية العربية المتحدة مع إقليم جنوبي مصري وشمالي سوري، في أول تجربة للوحدة عاشها بلدان عربان مهمان.
إن هكذا «بعد قومي» عاشه الرجل ومشروعه ساهم في تشكيل وتوجيه السياسة العربية، حيث كان مع هكذا التزام مبادئي معرفي ثقافي على خط التطبيق والتنفيذ يصنع بذلك خارطة طريق ليعود العرب، كل العرب، إلى موقعهم الطبيعي لصناعة التاريخ وليس البقاء على هامشه، بل يكونوا الفاعلين في دائرتهم الوطنية وضمن بعدهم القومي العربي ومجالهم الإسلامي الأوسع ضمن حالة تعيش الاستقلال وتريد صناعة مصلحة العرب بعيدا عن الأجانب وانطلاق دورهم المفقود من جديد.
إن المرحــوم جمـــال عبدالناصر عاش هذا الالتزام الحركي لكي يغيـر الواقع العربي إلـــى شـــيء مختلـــف افضل وهو في تلك المســألة واجه الكثير من الصعاب والتحديات ومن السهل علينا في وقتنا الحالي أن نعيش «الحكمة» في أثر رجعي!، وأن نعيش دور الموجــه والمعلم والناقد، ولكن من يقرأ الظروف والموقع الصعب التي كان يعمل به المرحوم جمال عبدالناصر، ان من يدرس كل هذه المسائل بعين حيادية علمية يعرف المشاق والصعاب العظيمة التي عاشها الرجل ومشروعه، ويكفيه فخـــرا انه صنع الاستقلال الوطني وأمّم قنـــاة السويس وأعادها إلى أهل الأرض وصنع الإصلاح الزراعي وبدأ في التصنيـــع وفرض مجانية التعليم وأسهم في خروج بلدان عربية كثيرة وأفريقية من سيطرة الأجانب، وصنع نفوذا للعرب وكلمة مسموعة دولياً، وما ظهوره على منبر الأمم المتحدة ووقوف ممثلي المجتمع الدولي له احتراما وتقـــديرا إلا مثالا واحدا على أمثلة كثيرة.
إن ثورة يوليو «المشروع» وقائدها جمال عبدالناصر، كانت تجربة رائدة بكل سلبياتها وإيجابياتها وذكراها تعود ومعها يعود السؤال العربي لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ وهذا السؤال حاول أن يعيشه جمال عبدالناصر ورفاقه حركة على أرض الواقع؟ فاجتهدوا ما استطاعوا، فماذا قدم الآخرون من بعدهم؟