هناك الكثير مما يمكننا تعلّمه من الحشرات والزواحف الصغيرة حول كيفية اتخاذ قرارات أفضل. إليك خمسة دروس من عالم الحشرات قد تساعدك على تحسين اختياراتك.
نحن البشر نميل إلى اعتبار أنفسنا في قمة الهرم التطوري بسبب قدرتنا الكبيرة على التفكير. لكن كل هذا التروّي والتفكير لا يقودنا دائماً إلى نتائج جيدة. فنحن لسنا معصومين من الخطأ، وكثيراً ما نتخذ قرارات غير صائبة.
أما الحشرات، فعلى الرغم من أدمغتها الصغيرة جداً التي لا يتجاوز حجمها حجم بذرة الخشخاش، فإنها تمتلك قدراً مدهشاً من الحكمة عندما يتعلق الأمر باتخاذ القرارات. وفي الواقع، ألهمت المهارات العديدة للحشرات في حل المشكلات - تطوير خوارزميات تُستخدم لاتخاذ قرارات فعّالة في قطاعات بشرية مختلفة.
إليك 4 أشياء يمكننا تعلمها من الحشرات حول كيفية اتخاذ قرارات "حكيمة".
1. النمل وإيجاد الحل الأمثل
إن اتخاذ قرار بشأن أفضل طريقة لإنجاز شيء ما ليس مهمة سهلة، خصوصاً في عالم مليء بهذا الكم الهائل من المؤثرات. ويطلق على هذه الظاهرة اسم "الإفراط في الخيارات".
ويواجه النمل أيضاً معضلة مشابهة عندما يتعين عليه اتخاذ قرار جماعي بشأن موقعه التالي للبحث عن الغذاء. لكنه طوّر حيلة ذكية تشترك فيها أنواع عديدة مختلفة.
في البداية، تغادر نملاتٌ عدةٌ أمانَ "مستعمرتها" بحثاً عن أقرب وأفضل مكان للحصول على وجبة وفيرة. وتنطلق هذه النملات المستكشِفة في الطبيعة بشكل عشوائي، مع إبقاء جميع الخيارات مفتوحة واستكشاف مسارات مختلفة. وأثناء الذهاب والعودة، تترك أثراً خفيفاً من الفيرومونات على الأرض، لتتبعه نملات أخرى لاحقاً. وتتلاشى هذه الفيرومونات مع مرور الوقت، ويكون النمل أكثر ميلاً إلى اتباع الأثر الأقوى.
أما النملات التي تعثر على أكثر مواقع البحث عن الغذاء كفاءة، فتعود أسرع حاملةً الطعام، وتُعزّز أثر الفيرومونات الذي تركته قبل أن يتبخر تماماً. كما تنقل المعلومات بسرعة أكبر إلى النملات الأخرى الخارجة للبحث عن الغذاء. وهذا يعني أنه مع مرور الوقت، يزداد عدد النملات التي تسلك ذلك المسار ذهاباً وإياباً، فتترك مزيداً من الفيرومونات المتراكمة، ما يجعل الأثر أقوى.
وبذلك، تتعزز المسارات الأقصر بمرور الوقت، بينما تتلاشى المسارات الأخرى. وفي النهاية، تتمكن المستعمرة ككل من العثور على أقصر المسارات وأكثرها كفاءة، من دون أن تعرف أي نملة على وجه التحديد أن ذلك كان بفضلها.
يقول ماركو دوريغو، المدير المشارك لمختبر الذكاء الاصطناعي في الجامعة الحرة في بروكسل ببلجيكا: "الدرس الرئيسي هو أن اتخاذ القرارات الجماعية بكفاءة يمكن أن ينشأ من دون وجود سيطرة مركزية". ويضيف: "إنها كائنات بسيطة ذات قدرات محدودة، ولا تمتلك سوى معلومات محلية، ومع ذلك فهي قادرة، بشكل جماعي، على حل مشكلات تنسيق معقدة".
وقد جرى بالفعل تحويل هذا النظام، المعروف باسم "طريقة تحسين مستعمرات النمل"، إلى خوارزمية تُستخدم لتحسين جدولة الأعمال والاتصالات والنقل والخدمات اللوجستية حول العالم. وقد استخدم الخبراء خوارزميات تحسين مستعمرات النمل في تخطيط شبكات السكك الحديدية، على سبيل المثال، كما طوّر دوريغو نظام AntNET، بهدف نقل المعلومات بكفاءة داخل شبكات الاتصالات.
2. نحل العسل الديمقراطي
يتبع نحل العسل نهجاً ديمقراطياً في اتخاذ القرارات المهمة.
يستخدم نحل العسل أسلوباً يشبه إلى حد كبير الطريقة التي يستخدمها النمل للبحث عن الغذاء عندما يتعلق الأمر بالعثور على موقع جديد للمسكن.
تحلّق نحلاتٌ مستكشفةٌ عدةٌ للبحث عن خيارات مختلفة، لكنها بدلاً من ترك آثار كيميائية كالنمل، تعود إلى مسكنها وتنقل تفضيلاتها مباشرةً؛ إذ تؤدي ما يُعرف بـ"رقصة الاهتزاز"، حيث تهز أجسادها بإيقاع معيّن لإخبار بقية أفراد المجموعة بما إذا كانت تعتقد أن الموقع الجديد مناسبٌ أم لا، من حيث الأمان والقرب والحجم والجودة. وكلما كان الموقع أفضل، كانت الرقصة أطول وأكثر حيوية.
كما تصف رقصة الاهتزاز الموقع بدقة، موضحةً المسافة التي يجب قطعها والاتجاه الذي ينبغي أن تذهب فيه النحلات الأخرى. بعد ذلك، ترسل مجموعة أخرى من النحل للتحقق من هذه النتائج. وعندما تعود، تقدم هي الأخرى تقييمها من خلال الرقص، إما بتأييد النحلات السابقة أو بطرح خيارات جديدة.
ومع مرور الوقت، يبرز موقع مفضّل بشكل طبيعي، إذ تعود عشرات النحلات من رحلاتها الاستكشافية وهي تؤدي رقصات تعبّر بإيجابية عن المكان نفسه. وعندما يتحقق النصاب المطلوب، تتخذ المجموعة قرارها وتنتقل إلى ذلك الموقع، على نحو يشبه ما يحدث في الأنظمة الديمقراطية البشرية.
3. الجراد المحايد
من الصعب إقناع الناس بتغيير آرائهم، بخاصة عندما تكون المجموعة منقسمة بين خيارين. فسرعان ما قد يتحول النقاش إلى انقسام حاد بين الأبيض والأسود، ما يجعل الجميع أكثر تمسكاً بمواقفهم.
ولحسن الحظ، تشير دراسة حديثة، أُجريت على الجراد، إلى مخرج من هذا المأزق الشائع.
الجراد الزاحف هو جراد لا يزال في مرحلة مبكرة من النمو ولم يتعلم الطيران بعد، ولذلك يتحرك سيراً. وفي تجربة أجراها كريستيان (كيت) ييتس، أستاذ علم الأحياء الرياضي في جامعة باث بالمملكة المتحدة، وُضعت مجموعات من هذا الجراد داخل ساحة دائرية على شكل حلقة، لمراقبة كيفية اتخاذها قراراً جماعياً بشأن الاتجاه الذي ستسلكه. ولاحظ ييتس أن الجراد يغيّر اتجاهه باستمرار بعد لحظات من التوقف والتردد.
واتضح أن هذه اللحظة العابرة من التوقف، حين يتوقف مزيد من الجراد عن السير ويتخذ موقفاً محايداً، هي التي تساعد السرب على التخلي عن إجماع سابق والتحول إلى إجماع آخر.
وفي التجربة، اختبر ييتس أيضاً 19 شخصاً في مهمة مشابهة، إذ أدار لعبة يمكن للمشاركين فيها الاختيار بين الخيار X والخيار Y أو الامتناع عن التصويت. وكما حدث مع الجراد، وجد أن إتاحة خيار الامتناع ساعدت المجموعة على الوصول إلى إجماع موحد، إما على X أو على Y، بصورة "أسرع وأكثر سلاسة" مقارنة بالحالات التي لم يكن فيها هذا الخيار متاحاً، بحسب ييتس.
ويفسر ييتس ذلك بأن المجموعة الكبيرة والمنخرطة بقوة تتأثر بعدد كبير من التأثيرات الصغيرة والمستقلة، التي يلغي بعضها بعضاً في المتوسط، ما يجعل تغيير الاتجاه العام أمراً صعباً. لكن عندما يصبح عدد كبير من الأفراد محايدين، ولو للحظة قصيرة فقط، يتقلص عدد المشاركين فعلياً في اتخاذ القرار.
ويقول ييتس: "مع وجود عدد أقل من الأصوات النشطة، فإن الدفعة الصغيرة نفسها، مثل مجموعة محلية صغيرة تتحرك في الاتجاه الآخر، أو معلومة غير مؤكدة، أو شخصين يغيّران ولاءهما، تُحدث تأثيراً نسبياً أكبر في اتجاه المجموعة".
وفي النهاية، يعلّمنا الجراد أن الحياد يمكن أن يخلق فترة التوقف اللازمة لإعادة التقييم والوصول إلى توافق في الآراء، كما يقول ييتس. والخلاصة؟ إذا كنت ترغب في تغيير الوضع القائم، فلا تقلق بشأن المترددين، بل شجّع مزيداً من الناس على أن يكونوا كذلك.
4. الذباب المتأمل:
في بعض الأحيان نتجاهل حدسنا عند اتخاذ القرارات لنفعل ما نعتقد أنه منطقي، حتى لو بدا لنا ذلك غير صحيح على مستوى عميق وغريزي. وفي أحيان أخرى، نتمسك بقناعاتنا الراسخة بشأن أمرٍ ما دون أن نتعلم من أخطائنا.
ويبدو أن ذباب الفاكهة يمكن أن يعلمنا الكثير عن زيادة وعينا الذاتي أثناء عملية اتخاذ القرار.
تُظهر الأبحاث أن ذباب الفاكهة يتمتع بدرجة عالية من الإدراك في كيفية دمج المعلومات الخارجية والداخلية لتوجيه كل حركة يقوم بها. فعند الاختيار بين رائحتين، على سبيل المثال؛ كلما كانت الرائحتان أكثر تشابهاً، طال تردّد الذباب، وكأنه يوازن بين الإيجابيات والسلبيات.
وعندما يواجه مكافأة ذات مذاق جيد لكنها غير مغذية، أو مادة سكّرية مغذية ذات مذاق مُر، يستطيع الذباب حسابَ القيمة الإجمالية لذلك الاختيار، وتحمُّلَ الطعامِ ذي المذاق غير المستساغ مقابل الحصول على التغذية.
كما أنه يميل أكثر إلى اختيار مكافأة صغيرة مضمونة بدلاً من مكافأة كبيرة إذا كانت مصحوبة بتهديد ما، إلا إذا كان شديد الجوع أو واقعاً تحت ضغط. وعندما يُدرَّب على الربط بين رائحة معينة ومكافأة إيجابية، أو بين رائحة أخرى وتجربة سلبية، فإن الذباب (في الحالة العادية) غالباً ما يكون مستعداً للاقتراب من رائحة غامضة لمعرفة ما ستؤدي إليه، بينما يكون الذباب الواقع تحت الضغط أقل استعداداً للمخاطرة.
وكما هو الحال لدى الذباب، فإن حالاتنا الداخلية قد تشوّش أحياناً على أحكامنا، لكنها تذكّرنا أيضاً بأن هذه المشاعر الغريزية والخبرات المتراكمة، المُركَّبة من فسيفساء تشمل حتى الانطباعات الصغيرة التي نكوّنها باستمرار عن أنفسنا وعن الآخرين، يمكن أن تساعدنا أحياناً على إصدار أحكام سليمة.