اعتلى شيخ دين زائر منبر مسجدنا لإلقاء خطبة الجمعة الماضية وكانت بعنوان «بر الوالدين»، استهل موضوع خطبته بتلك القصة، قائلا: كان هناك رجل دين «واعظ» مكلف للقيام بتنفيذ دروس ووعظ دينية على بعض نزلاء احد السجون التابعة لاحدى الدول، وقبل دخوله بوابة السجن الرئيسية تفاجأ بوجود رجل مسن في انتظاره، بدا عليه التعب والوهن، فقام هذا المسن بإلقاء التحية سائلا هل انت الواعظ الديني لنزلاء هذا السجن؟ فقال نعم يا والدي تفضل، فقام هذا المسن وهو منحني الرأس بإخراج نقود وسلمها له متوسلا إيصالها إلى ولده السجين فلان الفلاني، وأن تخبره بأن هذه النقود من الذي قمت بضربه يوما حتى سالت دماؤه على وجهه وأغمي عليه، وعندما أفاق في المستشفى وعاد له وعيه ورجع إلى منزله الذي ترعرعت ونشأت به وحفظك من بعد الله من تصاريف الزمان، عزم الأمر على ان يوصل إليك ما طلبته وقمت بضربه يوما بسببها، رفع المسن رأسه ونظر إلى رجل الدين وعيناه اغرورقتا بالدموع، راجيا ايصال الامانة الى صاحبها ثم غادر.
بدأت محاضرة ذلك اليوم بعد أن استبدل هذا الواعظ موضوعها بآخر وهو «بر الوالدين» فأسهب في معانيها مستدلا بنصوص من القرآن والسنة النبوية، ثم انتقل بمحاضرته الاستثنائية وتحدث عن عقوق الوالدين وركز على عقوبة الأبناء العاقين لوالديهم، فاجتهد في توجيه رسائله الموجهة حتى أصاب هدفه، وإذ بأحد السجناء من الشباب الجالس في الخلف بجانب احد أعمدة صالة المحاضرات بدا عليه التأثر بما سمعه، وبانت عليه علامات الندم، وانهمرت عياناه بالدموع حتى صار يجهش بالبكاء فلم تفلح تهدئته من زملائه ليبلغ مرحلة يصعب معها السيطرة عليه ليصاب بنوع من الهستيريا ثم بنوبة تشنج، حتى تطور الأمر فقام بضرب رأسه بأحد أعمدة قاعة المحاضرات ضربا شديدا حتى سقط مغشيا عليه وسط زملائه من السجناء الآخرين الذين استسلموا لحالته المرضية الصادمة بعد أن فشلوا في السيطرة عليه.
انشغلت إدارة السجن بإسعاف هذا السجين وانتهى به المطاف في المستشفى، دون أن يتمكن الواعظ من إتمام مهمته بتسليم الأمانة لصاحبها، وسط إدراك منه أن السجين المصاب هو الشخص المقصود. بعد مرور أسبوع عاد رجل الدين كعادته لإلقاء محاضرته الدينية، باشر في إلقائها وعيناه تبحثان هنا وهناك عن ذلك الشاب ليتخلص من الامانة التي في عهدته، لكنه لم يجده بين السجناء، وبعد نهاية الدرس الديني توجه إلى مسؤول السجن كي يخبره ويسلمه الامانة للسجين فلان، فأجابه مسؤول السجن بانه يرقد حاليا في عيادة السجن بعد حادثة نوبة الهستيريا التي ألمت به في محاضرتك السابقة، حيث نقل إلى المستشفى وأخذ العلاج اللازم وتمت إعادته، فطلب من مسؤول السجن القيام بزيارته للاطمئنان عليه، وعند وصوله إلى عيادة السجن وجده في حالة مرضية صعبة تلفه الكآبة ويعتصر قلبه حزنا، فوجئ رجل الدين بحالته الصحية متسائلا عما ألمّ به لأن حالته غير طبيعية، فأتت اجابة مسؤول السجن كالصاعقة قائلا: شلت يداه اليمنى.
عندها ردد رجل الدين حديث النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغادر السجن: «ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي، وقطيعة الرحم».