- أعيش متنقلاً بين وطني الأم سورية ووطني الثاني الإمارات
- ليس هناك ذاك العمل الفني الذي كنا نشتغله أيام زمان
دمشق - هدى العبود
فنان سوري أضاء سماء بلاده بفنه الشامل، وصفه النقاد بالمبدع، ومسيرته الفنية طغت على كل ما حوله محليا وعربيا، زرع بصمته على جدار الثقافة السورية والعربية، أعطى علمه وحياته وروحه لفنه، كتب عنه بمعاجم الثقافة والفن بأحرف من ماس، ساهم في صناعة الحركة الفكرية والثقافية والفنية، عرف بقدرته على تلون شخصياته التي قدمها أمام جمهور مثقف ونقاد أقلامهم لا ترحم، وأطلق عليه لقب «ملك المسرح السوري»، ونجما سينمائيا من الطراز الثقيل، ودراميا صعب المنال، ومن شاهد أعماله يدرك أنه صانع الفن السوري الشامل لا ينازعه عليه منازع ولا يشق له غبار، إنه الفنان القدير أسعد فضة، صاحب المسيرة الفنية التي يحسب لها ألف حساب، فهو المخرج المسرحي الذي امتلك أدوات الإبداع، والممثل صاحب الكاريزما المميزة والحضور، والمثقف المتحضر الذي استطاع أن يخدم قضايا بلده.
«الأنباء» توجهت للقاء الفنان القدير الفنان أسعد فضة للاطمئنان على صحته والوقوف على أعماله الفنية الجديدة، فقال لنا في حوار خاص تحدث فيه من القلب: الحمد لله على الصحة، وحاليا قررت أن أرتاح، وليس هناك ذاك العمل الفني الذي كنا نشتغله أيام زمان، والعمر له حقه.
وردا على سؤال حول إقامته الحالية بين سورية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وتصريحه الذي قال فيه «لم أغادر سورية لأعود اليها»، قال فضة: إذا كنت أريد أن أحافظ على صحتي خلال فصل الشتاء البارد في سورية، هذا يعني أنني لم أترك بلدي، لأنني اقضي أربعة أشهر من فصل الشتاء بدولة الإمارات العربية المتحدة، فهي بلد دافئ، مضياف، محب وأرتاح كثيرا أثناء إقامتي هناك، كما أنني أعود إلى بلدي سورية وإلى دمشق لأجالس مفكريها ومثقفيها وفنانيها، وأطلع على أوضاع الطلبة بالمسرح العالي للفنون والتمثيل، وأزور قريتي لألتقي عائلتي وأبناء قريتي ومعارفي، وبهذا الشكل أشعر بأنني أديت واجباتي الاجتماعية، فأنا أعيش متنقلا بين وطني الأول والثاني هكذا من أجل صحتي.
وتابع: أقول للأجيال التي تابعت مسيرتي الفنية ولجمهوري المحب، أعتقد أنني أديت واجباتي تجاهكم وأبادلكم نفس المحبة، وأعتبر أنكم ساهمتم في تكوين شخصيتي من كل النواحي، وقريبا سأسافر إلى الإمارات، فنحن على أبواب فصل الشتاء. وأردف: إن وقفتي في مرفأ الذاكرة اليوم تذكرني بوقفة الفلاح في آخر الموسم أمام البيدر، يمسح عن جبهته العرق وينسى التعب وهو يتأمل المحصول يشمر عن ساعديه من جديد استعدادا للموسم القادم، وفي الوقت ذاته، أشعر بالإعزاز وأنا أرى أعمالي الفنية جزءا من النهضة الفنية العربية، خاصة في مجال الدراما التي لها اليوم حضورا واسعا على الفضائيات العربية.
وأضاف الفنان القدير: سئلت أكثر من مرة عن رأيي في الطفرة التي حققتها الدراما السورية السنوات الأخيرة، وكنت أقول دائما إنها ليست طفرة بل هي تطور طبيعي لنشأتها، ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء، لوجدنا أن التلفزيون انطلق من المسرح، وترافقا معا بخلاف بعض البلدان التي طغى فيها التلفزيون على المسرح، إضافة إلى أن الفنانين نشأوا في المسرح وانتقلوا إلى التلفزيون، لذلك بقي المسرح حيا، والدراما التلفزيونية- منذ بداياتها- شهدت تطورا رائعا ولا تزال في الذاكرة مسلسلات عالقة مثل «السيرة الهلالية، أسعد الوراق، القصر، انتقام الزباء» والتي انتجت في مرحلة الأسود والأبيض في السبعينيات ولا تزال تعرض في المحطات العربية إلى الآن، وفي مرحلة الثمانينيات ومرحلة البث الملون طرأت عليها تطورات مهدت لدراما التسعينيات التي نشاهدها الآن، وهذا يعني أن الدراما السورية ليست ظرفية، فهي وليدة هذا التطور المنطقي.
وكانت لـ «الأنباء» وقفة على رأي الفنان الكبير دريد لحام في مسيرة فضة الفنية الحافلة التي أسست للفن السوري، فقال لحام: جميعنا يعلم مسيرته الفنية التي نفتخر بها جميعا ونجاحاته المتوالية، والقدير أسعد فضة نجم فني شامل، ففي فضاءات المسرح العربي لا يشق لأعماله غبار، وفي السينما نجم مميز، وجميعنا لا يستطيع نسيان نجوميته بفيلم «ليالي ابن آوى» للراحل عبداللطيف عبدالحميد حاصدا أفضل الجوائز العربية والمحلية والعالمية، وفي التلفزيون هو «زباداي» عاشق «زنوبيا»، و«أندريا نوس» في «الأميرة الشماء»، و«عز الدين القسام» السوري الذي اعتذر الكبير محمود مرسي عن بطولته في مسلسل «عز الدين القسام»، بعد أن اطلع على النص قال للمخرج «هناك فنان شاب سوري يجيد الدور أفضل مني لأنه ابن البيئة التي عاش فيها القسام»، وأسندت البطولة للقدير الفنان أسعد فضة، وعرفناه الباشا من خلال مسلسل «بصمات على جدار الزمن»، و«أبو دباك» و«أبو كامل» الذي لا ينساه المشاهدون حتى اللحظة.
واستطرد دريد لحام: لا ينسى طلاب المعهد العالي للفنون المسرحية توجيهاته أثناء ملتقى الإبداع ببيته المعهد العالي للتمثيل بدار الأوبرا بدمشق، إذ قال لهم «أوصيكم أن يكون لكل منكم مشروعه الخاص به»، كما قدم للفنانين مكاسب معنوية من أهمها رفع سقف التقاعد والضمان الصحي والحماية الأفضل للفنان بتعامله مع القطاعين العام والخاص، باختصار انه أيقونة الفن السوري من دون منازع.
من جانبها، قالت الفنانة المعتزلة هالة بيطار زوجة الفنان القدير دريد لحام، لـ «الأنباء»: جمعتنا أسريا أفضل العلاقات والسهرات العائلية مع زوجته الراحلة مها الصالح، وكان يناديني دائما بالصديقة العزيزة، إنه أستاذ ترفع له القبعات أطال الله في عمره.
بدوره، قال الفنان أيمن زيدان: شهادتي في أستاذي مجروحة، لكنه أستاذ علمنا، ومخرج أدهشنا، وممثل أتحفنا. وإذا سألت طلابه جمال سليمان وفايز قزق ووفاء موصلي عنه قالوا: كان أستاذا مهيبا من دون أن يكون مخيفا.
وقال الناقد المسرحي والكاتب المخرج الإعلامي سامر إسماعيل لـ «الأنباء»: استطاع الفنان أسعد فضة أن يكون من رواد المسرح القومي، خاصة أنه افتتح أيضا عروض المسرح التجريبي مع كل من فواز الساجر وسعد الله ونوس بعرض لا ينسى وهو «يوميات مجنون» للكاتب الأوكراني الشهير عن نص نيكولا غوغل، كما قدم عروضا مهمة في المسرح القومي بعد تأسيسه 1960، ومن أهم العروض التي قدمها الفنان القدير أسعد فضة في مجال الإخراج محليا وعربيا وعالميا «الإخوة كارامازوف، دون جوان، لكل حقيقته، عرس الدم، دخان الأقبية، التنين، السيل، الملك العاري، الغريب، السعد، أيام سلمون، سهرة مع أبي خليل القباني، الملك هو الملك، المفتاح، رقصة التانغو، حرم سعادة الوزير، عيد الشحاذين، براويظ، حكاية بلا نهاية»، بالإضافة إلى إخراج حفل افتتاح الدورة الرياضية العربية الخامسة، وإخراج مسرحية «مغامرة رأس المملوك جابر» لفرقة المسرح الوطني في فايمار (ألمانيا) وإخراج مسرحية «السعد» بالبحرين لمسرح الجزيرة، وفي الدراما التلفزيونية كان نجما من خلال عدة أعمال متميزة ومنها «النهر الكبير، أولاد بلدي، انتقام الزباء، الأميرة الخضراء، الأميرة الشماء، طائر الأيام العجيبة، وضاح اليمن، تيمور لنك، عز الدين القسام، بصمات على جدار الزمن، طبول الحرية، حرب السنوات الأربع، فارس من الجنوب، رحلة أمل، الطبيبة، الوسيط، لقاء في ظلال الطاعة، بيوت في مكة، الغابة، دكان الدنيا، امرأة لا تعرف اليأس، أبو كامل، هجرة القلوب إلى القلوب، برج العدالة، البديل، قلعة الفخار، أبو البنات، أشجار البحيرة، السوار، الجوارح، العبابيد، بنت الضرة، العوسج، الموت القادم إلى الشرق، الكواسر، البواسل، الفوارس، ذي قار، الرحيل إلى الوجه الآخر، قبل الغروب، الوصية، زهرة لخريف العمر، الداية».
وأردف إسماعيل: بعد تسلمه إدارة المسرح القومي ومديرية المسارح والموسيقى كان له دور كبير في إطلاق مواهب عديدة منها عروض للفنان جهاد سعد، وفايز قزق، وهشام كفارنة والفنان العالمي غسان مسعود، والعديد من الأسماء الفنية اللامعة في سورية أتاح لهم فرص الإخراج من خلال المسرح القومي، وأشرف وأدار العديد من المهرجانات منها مهرجان بصرى والمحبة والسلام باللاذقية ومهرجان دمشق المسرحي، وكان يقام بالتوازي مع مهرجان قرطاج المسرحي.
في الختام.. تتوجه «الأنباء» بالشكر إلى زوجة الفنان القدير أسعد فضة السيدة الفاضلة صفاء خير بيك، على حسن الاستقبال، وندعو الله عز وجل أن يرحم زوجته الأولى الراحلة الفنانة مها الصالح التي أنجب منها ابنته المهندسة رامة، وأنجبت له حفيدين أسعد وشقيقته.
مسيرة الفنان أسعد فضة
ولد الفنان القدير أسعد فضة عام 1938 بقرية بكسا - محافظة اللاذقية، وكانت طفولته كطفولة أي شخص من أبناء الكادحين، وعندما نال شهادة الدراسة الثانوية انتقل إلى مرحلة التخصص والتعليم العالي. وفي عام 1958 خضع لامتحان اختيار الموفدين في بعثات للدراسة في الخارج، ونجح وتم إيفاده للدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة - قسم الإخراج والتمثيل، كان ذلك في بداية عهد الوحدة بين مصر وسورية، وعلى الرغم من حدوث الانفصال في تلك الفترة، فقد احتضنه زملاؤه في مصر بكثير من الرعاية والمحبة حتى التخرج، حيث حصل على الدبلوم، ثم أوفد إلى فرنسا للدراسة أيضا والاطلاع.
عاد فضة إلى دمشق عام 1963 وعمل في المسرح القومي بوزارة الثقافة مخرجا وممثلا، ومن ثم تم تكليفه بإدارة المسرح القومي عام 1966، وبقي في إدارة المسرح القومي حتى عام 1974، كما كلف بمهمة مقرر في لجنة المسرح بالمجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب وكلف بمهمة مدير للمسارح والموسيقى بوزارة الثقافة حتى عام 2001.
في عام 1968، أصبحت سورية عضوا في الهيئة العالمية للمسرح، وكلف فضة برئاسة المركز الدولي للمسرح بسورية، وفي عام 1976 أنشأت وزارة الثقافة المعهد العالي للفنون المسرحية، وكلف بتدريس مادة التمثيل فيه، ونجح بانتخابات ديموقراطية حرة في أن يكون نقيبا للفنانين السوريين لدورة امتدت أربع سنوات، وبعد المؤتمر الانتخابي الجديد لنقابة الفنانين (أكتوبر 2002) فاز نقيبا للفنانين لدورة جديدة، ويرأس حاليا نائب رئيس الاتحاد العام للفنانين العرب.
ونال أسعد فضة العديد من الجوائز، منها: أفضل ممثل عن دوره في فيلم «ليالي ابن آوى» في مهرجان دمشق السينمائي، أفضل ممثل دور تاريخي عن دوره في مسلسل «العوسج» بمهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون، جائزة تقديرية عن دوره في مسلسل «الجوارح» في مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون.
ونشر عنه العديد من المقالات وعن مسيرته الفنية في بعض الموسوعات والمراجع العالمية مثل موسوعة «المسرح العالمي المعاصر»، موسوعة المسرح في ألمانيا (برلين) عام 1978 الصادرة عن دار النشر «هنشل» للفن والمجتمع، والقائمة تطول.
أسعد فضة والفن الخليجي
في حوار سابق له مع «الأنباء»، قال الفنان القدير أسعد فضة عن المسيرة الفنية الخليجية: الفن في دول مجلس التعاون الخليجي تطور كثيرا، يمتلكون مسارح عملاقة، ولديهم جمهور مثقف محب للمسرح والفن، والحركة الفنية في دول مجلس التعاون الخليجي تختلف من بلد إلى آخر ومن إمارة إلى أخرى، ولا يوجد بلد عربي يقدم نشاطا مسرحيا كما في الشارقة، ولقد قدموا كل مستلزمات التطور الفني من شركات مالية ضخمة وكتاب محترفين وجيدين، ويمتلكون فنانين قديرين وخريجين مثقفين أغنوا الساحة الفنية الخليجية.