في إجازتي الصيفية الأخيرة في المملكة المتحدة، تمت دعوتي من الصديق العزيز البروفيسور فرانك بروس إلى رحلة جميلة في الريف الإنجليزي ضمن دعوة كريمة لقضاء أيام ممتعة بصحبة عائلته، حيث قضينا أجواء مميزة مع الجمال الخلاب للطبيعة الإنجليزية الساحرة، وتناولنا في الحديث أثناء تلك الدعوة مختلف المواضيع السياسية والتجارية والثقافية والاجتماعية في ظل الاستماع والراحة مع الأجواء الجميلة والطبيعة الخلابة، حيث تخلل ذلك زيارتنا لعدد من الأماكن الأثرية المنتشرة هناك، حيث لكل موقع قصته والحدث المرتبط به.
خلال تلك الرحلة طرحت الكثير من الأسئلة المتنوعة، ولكن فضولي جرني إلى تساؤلي له عن سر إقامته خارج العاصمة البريطانية لندن، وعن المفارقة الغريبة الحاصلة عندهم عكس بقية بلدان العالم، حيث يسكن الأغنياء في الريف ويتكدس الفقراء والطبقات الوسطى في المدن الكبيرة؟! أجابني بأن الحياة في الريف أقل تعقيدا وبها هدوء وبساطة وسلامة النيات البشرية، وعدم التكلف وغياب التصنع، وهذه أمور مفقودة في المدن الرئيسية، حيث الريف يكون الارتباط بين الناس أقوى وتعاونهم أكثر، والتفاعل الإنساني في أمور الحياة متواصل، بالإضافة إلى الأمن والأمان، ومع ذلك هناك أمر مهم يتعلق بالضرائب والرسوم الحكومية، حيث إنها أقل في الريف، وهذا بسبب قلة المرافق الحكومية هناك وبعد المسافات بينها، واحتياج السكان إلى سيارات للتنقل وقلة المواصلات العامة والتي هي كثيفة في العاصمة لندن وبقية المدن البريطانية، ولكنها تقل كلما ابتعدت عن المدينة، والحكومة تضع هذه الأمور في الحسبان في مسألة الضرائب والرسوم لخلق ما يشبه العدالة بين المواطنين! وذكر البروفيسور بروس أيضا من الأمور المهمة في الريف الإنجليزي أن وجود المساحات الخضراء الواسعة والأجواء الجميلة يساعد الكثيرين على ممارسة الرياضة الخارجية والقيام بنزهات طويلة مشيا أو من خلال الدراجات، وهذا له أثره الإيجابي على الحالة الصحية والنفسية.
وهذا كله من العوامل التي قلبت المعادلة القديمة، حيث أصبح الريف مكان إقامة الأغنياء وصارت مسألة امتلاك منزل هناك علامة على الثراء والوضع الاجتماعي المتميز وعلى الأفضلية الطبقية مقارنة بسكان المدن.
كانت زيارتي إلى الريف البريطاني تجربة لا تنسى، حيث استمتعت بكل لحظة قضيتها هناك، الطبيعة الخلابة، والأنشطة الممتعة، والطعام اللذيذ والعضوي، الترحيب والابتسامة التي لا تفارق وجه السكان، والهدوء الذي يميز الريف، كلها عوامل جعلت من هذه الرحلة تجربة فريدة ومميزة.