- الكذب الهزلـي والنكـت والجلسات بيـن الشبـاب لا يجـوز
- كتب «الأغانـي» و«العقد الفريد» و«مروج الذهـب» مليئة بالأكاذيب
- من لم يتعظ بالموت ولم يدرك سطوة دعوة المظلوم فليس بمتعظ
أكد الشيخ د.عثمان الخميس أن الكذب كذب، وأنه صفة مذمومة وأنه لا يكذب في أصل الحقائق إلا المجنون لكنه لا يقصد الكذب. وبين لـ «الأنباء» أنواع الكذب وحكمها وصفات كل نوع. وإلى نص الحوار:
بم تعرف الكذب؟
٭ الكذب صفة مذمومة وهو في حقيقته ايجاد صفة من قول أو فعل لا وجود لها في حال أبدا إنما هو محض اختلاق، قال سبحانه: (وتخلقون إفكاً) وكان العرب وهم اهل جهل بحقيقة التوحيد يذمونه وينبذونه، ويرونه مع العجلة من أسوأ الصفات ويقدمونه في الذم والقبح على العجلة، ولا يكاد من يكذب يسود فإن ساد وسقط أبان الناس عورته وحالاته وأموره لأن من يكذب وسط عزته وسيادته يعيش في دائرة مغلقة فيظن الناس لا تدري وهم عيون الأخبار، والكذب اصله حرارة لئيمة سيئة تقذف بالحمم السوداء، مخرجها ضيق الخلق ورداءة الأصل وقبح الطوية، ولا يكذب في اصل الحقائق إلا المجنون لكنه لا يقصد الكذب.
وهل الكذب أنواع؟
٭ نعم الكذب أنواع منها كذب طبعي، وكذب مرضي، وكذب تهربي، وكذب ظني، وكذب للإصلاح بين المتخاصمين، وكذب وشائي وكذب طفولي، وكذب هزلي، وكذب لإنقاذ مظلوم، وكذب مصلحي، وكذب تجبري، وكذب حيفي، وكذب طردي، وقد استخلصت هذا من خلال نظري وسماعي للخصومات، وما يعرض علي من رسائل وكتابات، وهناك غيرها تركتها لعدم الداعي إليها.
ما حكم الكذب الطبعي؟ وهل هو السائد؟
٭ الكذب الطبعي هو كذب يصدر عن عاقل على غير طبيعته، وهو قليل لكنه اذا يحصل مع قلته يحصل بسبب اخراج النفس من موقف ما، لكنه كذب مذموم وليس افضل من الصدق، فإنك لا تأتي اصلا ما يوجب الكذب، ومثله التهربي ويعتبر ذنبا عظيما اذا زاد صاحبه عن اكثر من ثلاث مرات في حياته، ويتعلق الحكم بالكذب من حيث النية والضرر ولو على النفس (نفس من يكذب) لأن المرء لا يؤتمن على نفسه.
وبم يتصف أصحاب الكذب الحسدي؟
٭ حدّث ولا حرج، لكنه مع الكذب الوشائي يعرف إذا صدر من قريب أو صديق أو زميل، ولا يكاد يعرف هذا النوع إلا أناس دون آخرين لأن هناك الكذابين من يجلبون الأدلة حسا ومعنى ويتفننون في الطرح ولهم قدرة عجيبة على الإقناع وقد يستغلون غيرهم من البسطاء والمصلحين. يقول الملك فيصل رحمه الله: «الواسطة والكذب علة ومرض» وقد صدق، ويقول الملك سلمان بن عبدالعزيز: «ما كل ما يقال لنا نأخذ به» وقد برهن هذا الرجل على حقيقة من حقائق العدل برد اعتبار جيد للمظلوم.
هل تعرّف لنا معنى باقي أنواع الكذب التي تم ذكرها؟
٭ الكذب الظني: هو من باب عدم القصد لكنه يجب أن يضبط وإلا أدى الى المهالك ولا يقع هذا إلا ممن كان ذا عجلة وكبير شك، أما الكذب للإصلاح بين متخاصمين فهو صالح لأن ما يترتب عليه من المصلحة كبير جدا فإن الصلح والإصلاح أمرهما غاية في الخير وقوة أواصر المتقاطعين خاصة اذا كانوا أقرباء أو جيران او زملاء او علماء او دعاة.
أما الكذب الطفولي: فيجب أن ينتبه إليه لأنه كذب بسبب حالة ما يعيشها كخوف او قلق او ضعف او اقتداء ويحسن ان يعالج مبكرا بعد معرفة سببه.
هل يجوز الكذب لإضحاك الآخرين ويكون أثناء الجلسات بين الأصدقاء؟ وهل يجوز من باب الهزل فقط؟
٭ الكذب الهزلي هو كثير جدا وهو ما يحدث في التمثيليات وبين بعض الشباب حال النكت والجلسات الخاصة وهذا مهما كان كذب، وأرى عدم جوازه، فإن ترتب عليه ظلم او تقول أو نسبه لصحابي ما لم يقله او تابعي فهذا محرم جدا ويجب ان نحذر من ذلك غاية الحذر. أما الكذب لإنقاذ مظلوم ظهرت مظلمته ولا يستطيع الكذب عن نفسه او جهل او خوف او عدم قدرة فلا ضير في هذا، أما الكذب المصلحي لغير ضرورة شرعية ناهضة فلا يجوز ولا يحسن الخلط بينه وبين غيره، أما الكذب التجبري والحيفي والطردي فباب هذا واسع جدا يدرك من خلال نظر أحوال الناس وما يقطع بين بعضهم من خصومات ولا يقدر على فك الكذب إلا من ألهم وسدد ووفق فإن للكذب صورا ومنافذ عجيبة وكل نوع من الكذب يحتاج الى طرح مستقل لخطورة الكذب، لكن من لم يعتبر بالموت ولم ينتبه له ولم يدرك سطوة دعوة المظلوم فليس بمتعظ.
ماذا عن الكذب المرضي؟
٭ الكذب المرضي له باب خاص، وما أحب بيانه وهو مستقل لضرره وقبحه فهو ما يقع من بعض رواة الآثار، وقد نبه الإمام الجوزي الى هذا في كتابه (الموضوعات) فقال رحمه الله: وأعلم ان الرواة الذين وقع في حديثهم الموضوع والكذب المقلوب انقسموا الى 5 أقسام: الأول: قوم غلب عليهم الزهد والتقشف فتغفلوا عن الحفظ والتمييز، ومنهم من ضاعت كتبهم او احترقت او دفنها ثم حدث من حفظه فغلط فهؤلاء تارة يرفعون المرسل وتارة يسندون الموقوف وتارة يقلبون الإسناد وتارة يدخلون حديثا في حديث. والقسم الثاني: قوم لم يعانوا على النقل فكثر خطؤهم وفحش، والقسم الثالث: قوم ثقاة لكنهم اختلطت عقولهم في آخر أعمارهم فخلطوا في الرواية، والقسم الرابع: قوم غلبت عليهم السلامة والغفلة ثم انقسم هؤلاء فمنهم من كان يلقنه فيتلقن ويقال له قل فيقول..إلخ. والقسم الخامس: قوم تعمدوا الكذب ثم انقسم هؤلاء الى ثلاثة أقسام: قوم رووا الخطأ من غير ان يعلموا انه خطأ فلما عرفوا الصواب وأيقنوا به أصروا على الخطأ، وقوم رووا عن كذابين وضعفاء وهم يعلمون ودلسوا أسماءهم فالكذب من أولئك المجروحين والخطأ القبيح من هؤلاء المدلسين وهم في مرتبة الكذابين. وقوم تعمدوا الكذب الصريح لا لأنهم رووا عن كذاب فهؤلاء تارة يكذبون في الأسانيد فيروون عمن لم يسمعوا منه وتارة يسرقون الأحاديث التي يرويها غيرهم وتارة يضعون أحاديث وهؤلاء الوضاعون انقسموا الى 7 أقسام، وقد برهن ابن الجوزي مع قليل من الأمثلة على حقيقة الكذب في الآثار من الحديث والخبر والرواية والقصة وعموم النقل خاصة في كتب الأدب والتاريخ والنقد وفلسفة الأدب والتاريخ والتحليل في كل من هذا وذاك.
هل تذكر مثالا لذلك؟
٭ كتاب الأغاني والعقد الفريد ومروج الذهب مليئة بالأحاديث المكذوبة وهناك من يعول عليها ويجعلها أصلا في نقل الآثار والأخبار والروايات والقصص ويبنى عليها أحكاما شرعية أو أدبية أو وثائقية ثم هو يبرهن أن هذا قد نقله صاحب الأغاني مثلا ومثل هذا قد شارك في نشر جريمة الكذب والافتراء علم أو لم يعلم.