في العـادة نترك الحياة تقودنا إلــى حيث يشاء القدر دون أن نفعــل شيئا إزاء ما نريده وما لا نريده، رغم أن التسليم بالقدر لا يعني الاستسلام للواقع، بل الأخذ بالأسباب أولا، ثم التوكل على خالق الكون العظيم مهما كانت النتائج، إلا أن قسما كبيرا من الناس يدع الأيام تفعل به ما تشاء كأنه ريشة في مهب الرياح. والأدهى من ذلك، من يتركون مصيرهم بيد شخص آخر يرسم لهم الطريق ويحدد شكل حياتهم.
أشياء كثيرة في هذا العالم يمكن أن تختارها بمحض إرادتك الحرة، لكنك على الأرجح لا تعي أنه يتــم تسييرك بواسطة المحيطين بــك، والمجتمع، ووسائل الإعلام وشتى صنوف الإعلانات والتقاليد البالية في اتجاهات لا تعبر عنك ولا تناسبك، ولا تتماشى مع شخصيتك وطباعك، حتى إنك ربما تكون من بين الأشخاص الذين يدخلون باستمرار في علاقات مدمرة، ويمارسون نشاطات لا يحبونها، ويعملون في مجال لا يطيقونه، ويعيشون حياتهم ككل بشكل يناقض ما حلموا به يوما.
لا شيء أصعب على المرء من أن يجد نفسه وسط واقع لم يختره، وفي ثنايا حياة جل ما فيها لا يناسبه ولا يمت له بصلة. لكن هكذا تحيا الغالبية العظمى من البشر، الأمر الذي يفسر انهيار كثير من العلاقات، وانتهاء العديد من الزيجات، وامتلاء المستشفيات والعيادات الطبية والاختصاصية بمن يعانون المشكلات النفسية.
حين يقضي أي شخص معظم حياته مسيرا من كل شيء حوله يفقد هويته الحقيقية وتقديره لذاته، وتضيع كينونته في عالم من العبودية للناس والظروف المحيطة، فيغدو أسير الواقع بدلا من أن يكون صانع التغيير والحياة التي يطمح بالوصول إليها.
هناك مفهوم شائع لدى الكثيرين بأن الظروف هي التي تصنع الإنسان، وبأن الفرد مسير غير مخير، وأننا لا نستطيع تغيير شيء في هذا العالم لكوننا أضعف من أن نقف في وجه الحياة الصعبة،
لكن بنظرة متأنية لتاريخ البشرية، واطلاع عميق على سير حياة الناجحين على مر العصور، نستنتج من دون أدنى شك أن الإنسان أقوى من التحديات والعقبات، وأنه صانع مصيره، لكن فقط حين يؤمن بنفسه وقدارته، ويتوقف عن الانصياع لمن حوله، وعن استنزاف وقته ونفسه، فيبدأ في انتقاء دروبه، وعلاقاته، واهتماماته.
تأمل حياتك جيدا، وتأكد أنك لا تعيش وفقا لأهواء أحد، أو تبعا لما تحاول الظروف الخارجية فرضه عليك. أنت لست مجرد جسد مادي بل أعظم من ذلك بكثير. لقد وهبك الله الإرادة الحرة والعقل الذي ميزك به عن سائر المخلوقات، لكنك على الأغلب تستخدم عقلك بطريقة خاطئة، بل تجعله يسيطر عليك.
تعلم كيف تتحكم في أفكارك ومشاعرك وحياتك من خلال إتقان فن الانتقاء. فحين تدرك أنك المسؤول الأول والأخير عن كل ما يحدث في واقعك، تحدث المعجزات، وتبدأ رحلة التغيير نحو واقع أجمل بكثير من الذي تعيشه الآن.
لا تقبل أن تكون في أماكن لا تجد نفسك فيها، ولا تخالط أشخاصا لا ترتاح إليهم ولا يقدرون شخصك. لا تسمح لأحد بأن يجبرك على فعل أي شيء لا ترغبه، ولا ترض أن تكون ضعيفا أمام التحديات، ولقمة سائغة لوسائل الإعلام الصفراء.
في اللحظة التي تتحرر فيها من السيطرة الخارجية، وتعزز في الوقت ذاته من سيطرتك الداخلية على ذاتك، ستشرق شمس الحرية على واقعك، وستبدأ في رؤية فرص استثنائية وأبواب جديدة تفتح لك على مصراعيها، فقدر نفسك واحترم ذاتك، ولا تقبل على الإطلاق بأن تمضي بها إلى دروب لا تنتمي إليها. فهكذا تكون صناعة الحرية الداخلية التي تقود المرء إلى أعلى مراتب النجاح.
hamadaltamimiii@