- الخراز: نحن أحوج ما نكون إلى أن نتخلّق بأخلاق القرآن في حواراتنا
- الكوس: الحذر من الخلاف المذموم وعلى المسلمين الرجوع للكتاب والسنة
الإسلام دين حوار وتفاهم وتعايش سلمي مع كل الأمم والشعوب، فهو دين يرفض الصراعات والحروب ويفرض على أتباعه أن يمدوا أيديهم بالحوار مع الآخرين.
وقد حثنا الاسلام على التزام الآداب والاخلاقيات ليحقق الحوار أهدافه، ولكن ما نراه مستهجن من قبيح في القول والاتهامات المتبادلة، فنحن بحاجة ماسة إلى تربية دينية تفرض الالتزام بأدب الحوار الذي ربانا عليه الاسلام.
يقول د. خالد الخراز: الإسلام دين رحمة وعفو وإخاء وتعاون وتكافل، وهذه القيم الاسلامية الرفيعة من شأنها تربية الانسان المسلم على الفضائل، وتفرض عليه احترام الآخرين والاعتراف بحقهم في التعبير عن آرائهم بحرية من دون تحقير لهم، مؤكدا ان الحوار يلزم ان يكون بعيدا عن التعصب، فتعصب الانسان لرأيه لا يجعل الحوار مجديا، ولا يحقق الفائدة من النقاش، والبيئات التي يوجد فيها النظام الطائفي او العرقي او الطبقي هي بيئات يغلب عليها التعصب، ومن ثم تزيد حدة الاختلافات ولا يحقق الحوار أهدافه.
وبين د.الخراز: لكي يحقق الحوار أهدافه لابد أن يتسلح المتحاور بسعة الصدر والتسامح واللين فيستمع كل طرف الى الآخر جيدا ويعطيه الوقت الكافي للتحدث ويتقبل انتقاداته واختلافاته معه في الرأي من دون ضيق أو ضجر، وبعد أن يسمع ويتدبر ما قاله الطرف الآخر يبدأ الرد عليه من دون رفع للصوت وبعيدا عن العبارات والكلمات الخارجة التي تفسد الحوار وتخرجه من اطاره.
أسس الحوار
وأكد د.الخراز أن الله عز وجل أمر بالحوار الهادئ العقلاني مع أشد الناس عداوة وهم الذين ينكرون وجود الخالق. قال الله عز وجل: (قل من يرزقكم من السموات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما كنتم تعملون قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم).
وأضاف: نحن أحوج ما نكون إلى أدب الحوار والخلاف لا النزاع بأن نجعل حوارنا وسيلة اقناع بهدوء واطمئنان، وعندما تشتد الخصومة بين المتحاورين يجب ألا يذهب بنا الغضب الى العداوة والشر، والا يتصيد بعضنا الكلمات التي يدق بها رقاب بعض، فالله عز وجل يقول لموسى وأخيه: (اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) فمن أدب الحوار احترام كل طرف لرأي الآخر وبإعطائه المساحة الكافية لكي يعبر عن رأيه ويقدم ما عنده في أدلة وبراهين ثم التعقيب وكل ذلك ينبغي أن يتم بأسلوب مهذب وبالتي هي أحسن.
وطالب د. الخراز بالتخلق بأخلاق القرآن في حواراتنا لكي نتخلص من النزاعات والمشاجرات التي تفسد العلاقة بيننا، وقد وضع لنا الاسلام اسسا وقواعد للحوار والنقاش بين الناس كافة فيقول الله عز وجل: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) فيعلمنا القرآن الكريم ان ندعو دائما بالحكمة وأن نحاور ونجادل بالتي هي أحسن وهي بلا شك ركائز مهمة تجعل الحوار مفيدا وهادفا لأنه وسيلة مهمة وللتعامل بين البشر، وكذلك يعلمنا كيفية الحوار مع غير المسلمين كما جاء في قوله عز وجل (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) وقد كان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قدوة ومثالا في الحوار مع الآخرين فكان صلى الله عليه وسلم يطبق المنهج القرآني في مناقشاته وحواراته مع كل البشر مسلمين وغير مسلمين، فكان سهلا لينا يسمع للآخرين ويرد عليهم. وهذا ما يجب أن يكون عليه حال المسلم في حواره ونقاشه مع اخوانه المسلمين وغير المسلمين بهدف الوصول الى كلمة الحق، ولنا في الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثل قدوة عندما اعترضت امرأة على ما قال على المنبر وردت عليه في ذلك فقال رضي الله عنه مقولته المشهورة: أصابت امرأة، وأخطأ عمر، لأنه رأى أنها تقول الصواب.
وطالب د. الخراز المسلمين بالالتزام بهدي الرسول صلى الله عليه وسلم في حواره مع الكبير والصغير والمسلم والكافر والطائع والعاصي والمخالف والموافق ليكون بابا للدخول منه إلى الحق ويتم معالجة كثير من اختلافاتنا.
الآداب الشرعية
ويبين الشيخ د.أحمد الكوس أدب الخلاف والاختلاف فيقول إنه من أهم المسائل التي تناولها العلماء المسلمون عبر التاريخ، إذ تشكل هذه القضية أساسا لضبط التعامل بين المسلمين في حال وقوع الخلافات الفقهية او الفكرية.
كان للإمام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم دور بارز، وعلماء السلف كان لهم دور في ترسيخ منهج اسلامي اصيل في كيفية التعامل مع الاختلافات الفكرية والدينية
مفهوم أدب الخلاف
ويعرف أدب الخلاف والاختلاف فيقول: أدب الخلاف هو التزام الآداب الشرعية والسلوك الحسن في الحوار والجدل عند وقوع الاختلاف في الآراء أو الاجتهادات الفقهية.
أما الاختلاف فهو تعدد الآراء والاجتهادات في المسائل التي تكون فيها النصوص الشرعية محتملة لأكثر من تأويل وهو أمر طبيعي في الشريعة الاسلامية، حيث تكون النصوص أحيانا مفتوحة على أكثر من تفسير، مما يؤدي إلى تباين في الآراء بين العلماء.
ويستشهد باختلاف الصحابة مبينا أن اختلاف الصحابة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجع الجميع فلم يكن في عهده ما يؤدي الى الاختلاف، اما البعيدون عن المدينة فكان يقع بينهم الاختلاف؛ لاختلافهم فيما يعرفونه من تفسير كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه رضوان الله عليهم ادبا مهما من آداب الاختلاف في قراءة القرآن خاصة فيقول: «اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا» أخرجه الشيخان.
فيندبهم صلى الله عليه وسلم الى القيام عن القرآن العظيم إذا اختلفوا في بعض أحرف القراءة أو في المعاني المرادة من الآيات الكريمة حتى تهدأ النفوس والقلوب وتنتفي دواعي الحدة في الجدال المؤدية الى المنازعة والشقاق.
أما إذا ائتلفت القلوب وسيطرت الرغبة المخلصة في الفهم فعليهم ان يواصلوا القراءة والتدبر والفهم وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تختلفوا فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» رواه البخاري.
ومن سمات أدب الاختلاف في عهد الخلافة الراشدة قال: كانوا يبعدون عن الاختلاف، ولا يتبعون الهوى، وحين يكون للخلاف أسباب، من مثل وصول سنة في أمر لأحدهم لم تصل للآخر أو اختلافهم في فهم نص، أو في لفظة، كانوا وقافين عند الحدود يسارعون للاستجابة الى الحق والاعتراف بالخطأ وكانوا شديدي الاحترام لأهل العلم والفضل والفقه، وكانت أخوة الاسلام بينهم اصلا من أصول الاسلام المهمة وهي فوق الخلاف او الوفاق في المسائل الاجتهادية.. ولم تكن المسائل الاعتقادية مما يجري فيه الخلاف فالخلافات لم تكن تتجاوز مسائل الفروع .
اذا وقع الاختلاف ـ مع تحاشيه ـ سارعوا في رده الى كتاب الله والى رسوله صلى الله عليه وسلم، وسرعان ما يرتفع الخلاف ويخضعون لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وهذا صمام الأمان عند الصحابة رضي الله عنهم وكذلك عند هذه الأمة فكان لدى كل منهم شعور بأن ما ذهب اليه اخوه يحتمل الصواب، وهذا الشعور كفيل بالحفاظ على احترام كل من المختلفين لأخيه والبعد عن التعصب للرأي، وكانوا يلتزمون بالتقوى والبعد عن الهوى، فكان لا يهم أحدهم ان تظهر الحقيقة على لسانه او لسان أخيه.،
ولفت الى أدب الخلاف عند الشيخ ابن باز رحمه الله: قال الشيخ بن باز ينبغي لأهل العلم الجد في التقارب، والاتفاق، والحرص على عدم الخلاف بأن كل واحد يجتهد؛ حتى يعرف الحق بدليله.
وحتى يستقيموا على الدليل، ويتفقوا عليه حتى لا يكون بينهم خلاف مهما أمكن الواجب على العلماء ان يحرصوا كثيرا على جمع الكلمة، وان تكون الكلمة واحدة؛ حتى لا يلتبس الأمر على العامة أما لو لم يتيسر ذلك؛ لأن هذا يرى أن الحق معه، وهذا يرى أن الحق معه، فإن المؤمن يجتهد، ويتبع من هو أولى بالحق عنده من هو أقرب الى الورع والعلم.
وأشار الى ان الخلاف من حيث الدوافع خلاف بسبب الهوى، فقد يكون الخلاف وليد رغبات نفسية لتحقيق غرض ذاتي أو أمر شخصي، وقد يكون الدافع للخلاف رغبة التظاهر بالفهم او العلم او الفقه، وهذا النوع من الخلاف مذموم بكل اشكاله ومختلف صوره لأن حظ الهوى فيه غلب الحرص على تحري الحق والهوى لا يأتي بخير فهو مطية الشيطان الى الكفر قال تعالى: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون) البقرة: 87. وبالهوى جانب العدل من جانبه من الظالمين وقال تعالى: (قلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا) النساء: 135، وبالهوى ضل وانحرف الضالون.
(قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين) الأنعام: 56. والهوى ضد العلم ونقيضه، وغريم الحق ورديف الفساد، وسبيل الضلال.
ويمكن رد خلاف أهل الملل والنحل ودعاة البدع في دين الله تعالى إلى آفة الهوى، ومن نعم الله على عبده ورعايته سبحانه أن يكشف له عن مدى ارتباط مذاهبه وأفكاره ومعتقداته بهوى نفسه، قبل ان تهوي به في مزالق الضلال.
الخلاف المذموم
وقال ان الخلاف المذموم مثل الاختلاف في مسائل العقيدة المتفق عليها عند أهل السنة والجماعة، وهذا يسمى اختلاف مذموم؛ فالعقيدة ثابتة بنصوص قطعية في الكتاب والسنة، وقد أجمع عليها الصحابة، فلا يصح ان يكون فيها اختلاف بين المسلمين.
وكذلك الاختلاف في الادلة القطعية مثل المسائل التي تكون قطعية الثبوت وقطعية الدلالة؛ مثل: وجوب الصلاة والصيام والزكاة، وقطع يد السارق ورجم الزاني، وتحريم الخمر..إلخ.
فالاختلاف في هذه المسائل غير سائغ؛ لأنه لو قبل الخلاف فيها لما بقي شيء من مسائل الدين إلا وأصبح قابلا للأخذ والرد.
ختاما، على كل مسلم الرجوع للكتاب والسنة والحذر من الخلاف المذموم.