يؤكد د.محمد ضاوي العصيمي أنه ما من خير إلا ودعت إليه الشريعة الإسلامية، وما من شر إلا ونهت عنه. وقال ان الذكاء الاصطناعي نازلة العصر، وأن الأصل في الأشياء الحل والإباحة حتى يأتي دليل على تحريمها، وتحدث على كل ما يخص الذكاء الاصطناعي في الإسلام وحكمه والقواعد المتعلقة باستخدامه، فإلى نص الحوار:
ما حكم الذكاء الاصطناعي في الإسلام؟
٭ الشريعة لا تمنع من الانتفاع بالعلوم الدنيوية النافعة، إذ ان الاصل في الأشياء الإباحة، كما قال تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه - الجاثية: 13)، فالانتفاع بالعلوم الحديثة مادام انها منضبطة بضوابط الشرع، واجتنبت فيها المحاذير الشرعية، فالأصل أنها مباحة، ولذا فإن قاعدة الشريعة هي تحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.
هل يستطيع الإنسان أن يقارن بين الذكاء الاصطناعي وخلق الله عزّ وجلّ؟ وهل فعل المخلوق يسمى خَلقا؟
٭ من المعلوم ما كان من صنع البشر لا يمكن المقارنة بينه وبين خلق الله تعالى مهما بلغت هذه العلوم من تطور وتيسير على الناس، مع ان الله عزّ وجلّ سمى صنع البشر خلقا لكنه خلق ناقص، كما قال تعالى: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون - الطور: 35-36).
فهل فعل المخلوق يسمى خلقا؟ نقول نعم، ولكن ليس كخلق الله عزّ وجلّ، فخلق الله تعالى إيجاد من العدم، بينما خلق المخلوق هو تحويل الموجود من صورة إلى أخرى، ولا يقارن هذا مع الإيجاد من العدم.
ومما يؤكد ما ذكرت انه حينما حدثت نازلة كورونا، فمع حداثتها وسرعة الأحداث فيها لم يحدث ثمة تناقض بين الفقهاء مع الأطباء في الوصول للحكم الشرعي سواء من خلال العبادات او المعاملات.
هل يجوز استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب والعلاج؟
٭ نحن بصدد الحديث عن علمين جليلين: علم الدين، وعلم الطب، وكما قال الشافعي: العلم علمان: علم الدين وعلم الدنيا، أما علم الدين فهو الفقه، أما علم الدنيا فهو علم الطب، وقال رحمه الله: لا تسكنن بلدا لا يكون فيه عالم يفتيك في دينك وطبيب ينبئك عن امر بدنك. وكان الذهبي رحمه الله يقول: لا أعلم بعد علم الفقه علما انبل من علم الطب. والشريعة لا يمكن ان تستغني عن الطب، ومما اذكره هاهنا ما اشتهر عن الإمام الشافعي من كراهة الماء المشمس (الذي يتعرض للشمس مدة طويلة)، وكان اكثر فقهاء عصره ينهون عنه على اساس انه يورث البرص، فقال: ان كرهه الاطباء كرهناه، فلم يفت كما افتى غيره، ولكنه احاله على المختصين وهم الاطباء. وقد دخل الذكاء الاصطناعي في العلوم الطبية بشكل كبير، وذلك من خلال التشخيص والكشف المبكر، والتدخل العلاجي، وتحسين طرق العلاج، ومراقبة المريض، والوصول للبيانات بشكل اسرع، وتقليل المهام الادارية، ونحوها مما يتكلفها الطبيب وسهلها الذكاء الاصطناعي. وتزداد اهمية الاخلاقيات والتركيز عليها في استخدام الذكاء الاصطناعي، وخاصة في المجال الطبي، فربما يعتدى فيه على جسد المريض وتزهق ارواح ان لم يتمسك الطبيب بتلك الاخلاقيات. كما انه قد تثور ثمة اشكاليات متعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي، فمن الاهمية بمكان معرفتها حتى يكون الاستخدام لها على نحو سليم وبالضوابط الشرعية ودون ان يتم التعرض لجسد المريض بما يضره، فضرورة حفظ النفس تأتي في المرتبة الثانية بعد حفظ الدين، مما يؤكد على ضرورة حفظ النفوس في هذه الشريعة. وثمة موضوعات هامة يمكن التعمق فيها ودراستها في هذا الصدد كإذن المريض في استخدام الذكاء الاصطناعي، والمسؤولية الطبية حال استخدام الذكاء الاصطناعي، وحتى لا يكون جسد المريض محلا للتجارب بل هي بحاجة الى مزيد من البحث.
ما أبرز القواعد المتعلقة باستخدام الذكاء الاصطناعي؟
٭ ثلاث قواعد: الأولى: أهمية التكامل بين الفقهاء والمختصين حتى تعطي المسألة حكمها الشرعي المناسب: فهذه النازلة لمعرفة حكمها الشرعي لابد من معرفة حقيقتها وتكييفها وتصورها، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره، فالأحكام مبناها على التصور الصحيح، والذي هو مقدمة للحكم الشرعي، ولن يتأتى هذا إلا من خلال التكامل بين الفقهاء والمختصين في غير ميدان.
أما القاعدة الثانية: عدم نهي الشريعة عن الاستفادة من هذه العلوم والتقنيات الحديثة بل إن الشريعة تأمر بالاستفادة من هذه العلوم والتقنيات الحديثة وتحث عليها، والأدلة على ذلك متكاثرة: منها قوله تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) الملك: 15. وقوله تعالى: (أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج: 46، وغيرها من النصوص التي حثت على الاستفادة من تلك العلوم الحديثة والتوصل بذلك للحكم الشرعي الصحيح. ومن الخطأ التعجيل في إصدار الحكم، خاصة بالمنع اعتبارا بأحد الجوانب مع الغفلة عن جوانب أخرى كثيرة قد تشكل مصالح أساسية عند المريض. فالتحريم - كما هو مقرر لدى أهل العلم - يحسنه كل أحد، وكما قال سفيان رحمه الله: ليس العلم بالشدة، ولكن العلم الرخصة بدليلها، وهذا هو العلم الصحيح، فيعطي الحكم المناسب مدعما بالدليل، وقاعدة الشريعة أن الأصل في الأشياء الإباحة، والذكاء الاصطناعي هو أحد هذه الأشياء، والتي تعد الإباحة هي الأصل فيها. والقاعدة الثالثة: تحصيل المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها. ومن مصالح ومميزات الذكاء الاصطناعي زيادة الانتشار، فضلا عن تنوع الترجمة والاستفادة منها. بالإضافة الى ذلك، فإن الذكاء الاصطناعي يعمل على الإنجاز وتحصيل المطلوب بأقل وقت ممكن، وسهولة الوصول للمعلومة، خاصة في الجانب الدعوي والتعليمي، فيكفي أن مقطعا صغيرا لأحد العلماء أو الدعاة يترجم في الوقت نفسه للعديد من اللغات الأخرى، ويستفيد منه الآلاف عبر العالم، وبلغات مختلفة، وللعالم أجمع، بعكس الحال في السابق، حيث كان يتم الاقتصار على لغة واحدة ومحيط واحد. وهذه نعمة عظيمة يجب الاستفادة منها - أيما استفادة - وحتى يحصل النفع منها لمصلحة الإسلام والمسلمين، وهذا يستدعي الاعتناء بها لكل من يعمل في الدعوة والتعليم وإرشاد الناس ليعم النفع الجميع.
وما المفاسد لهذه التقنية الحديثة؟
٭ المفاسد محدودة بالنظر للمصالح المترتبة على استخدام الذكاء الاصطناعي كالاستغلال السيئ له من قبل من يقومون بالطعن في الدين والشريعة والتشكيك في الثوابت والتنقص منها ونحو ذلك مما يقوم به دعاة الباطل، حيث يستخدمون الذكاء الاصطناعي في إغواء الناس وصرفهم عن دينهم؛ مما يوجب الحيطة والحذر لدى كل مسلم، ويولي مزيدا من الاهتمام في محتويات هذه البرامج وما يكون فيها، ويوجب التأني والتدقيق في هذه المحتويات حتى لا تكون هناك معلومات خاطئة أو غير صحيحة يتم توارثها عبر الأجيال.
ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي كذلك في جميع العلوم كالفقه والحديث والحكم على الحديث وكلام أهل العلم فيه، حتى وصل الأمر لتصحيح التلاوة عبر تلك البرامج من دون شيخ، يصوب القراءة ويصححها.
هناك كثير حذروا من استخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى.. فماذا تقول؟
٭ يجب الحذر في استخدام الذكاء الاصطناعي بمجال الفتوى، وهو ما خلص اليه مؤتمر الذكاء الاصطناعي في فبراير الماضي للعديد من المؤسسات الأكاديمية وهيئاتها الشرعية؛ حيث خلصت الى وجوب الاحتياط في قضية الفتوى وعدم إطلاق يد برامج الذكاء الاصطناعي في أن تقوم مقام المفتي، وهذا مقام خطير بلا شك، فالفتوى لا يقاس عليها، ولها اجتهادها وأدواتها، ولها نظر وتأمل، فقد يعطي المفتي اثنين، لهما نفس الصورة والواقع، حكمين مختلفين. وقد ورد هذا في حديث، وإن كان فيه نظر، في قصة الرجلين اللذين قبلا وهما صائمان، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الأول بالإفطار، والثاني بألا يفطر، فهنا أعطي كل واحد منهما حكما مختلفا رغم اتحاد الصورة. ولا يمكن للذكاء الاصطناعي تصور ذلك وتمييزه؛ حيث لا يمكنه معرفة أبعاد الفتوى ولا وضع المستفتي وظروفه ولا الحال التي سأل فيها.
والحاصل انه لا بأس باستخدام الذكاء الاصطناعي في الفتوى لكن مع المراجعة ودون اطلاق يده في ذلك دون الرجوع للمفتي لتأكيد الفتوى او تعديلها. ويجب مراعاة القيم والتزام الأخلاقيات والضوابط الشرعية لمستخدم الذكاء الاصطناعي، فهو من الاهمية بمكان، فلا يعرف الذكاء الاصطناعي قضية التثبت، ولا تحريم التجسس، واحترام الخصوصيات، ولا يقال بأن حاجة الناس لهذه التقنيات تجعلنا نتجاوز هذه المحاذير بداعي أن الغاية تبرر الوسيلة فهذا قول باطل ووقوع في المحرم وتطاول على أحكام الشريعة، وهذه القاعدة أبطلها النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث «إن من أفرى الفرى أن يري عينيه ما لم تر» البخاري: 7043.
هل يجوز استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث العلمية والتعبدات؟
٭ يجب عدم إطلاق اليد لاستخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الابحاث العلمية، فثمة فارق بين أن يتولى الذكاء الاصطناعي كتابة البحث من ألفه إلى يائه دون أي جهد من الباحث، وبين من يستفيد منه لتكوين عناصر البحث وخطته ونحو ذلك، فشتان بينهما، فالأولى يقال بالمنع فيها لمنافاتها الأمانة العلمية، والثانية لا بأس فيها من الاستعانة بهذه الوسائل كالوصول للمعلومة وتوثيق الآيات وتخريج الأحاديث وترتيب البحث ونحوها. كذلك لا مجال لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعبدات، فباب العبادة لا مجال للذكاء الصناعي فيه، وإلا لو فتحنا هذا الباب لقال البعض يجوز أن يكون هناك إمام بالربوت، وربوت يؤذن في الناس، وثالث يخطب فيهم الجمعة، ورابع يصلي بهم العيدين وغير ذلك، فهذه الأمور لا مجال للتعبد فيها باستخدام الذكاء الاصطناعي، حتى لا نقع فيما وقع فيه غيرنا من الديانات الأخرى؛ حيث وضع الصينيون إلها لبوذا عن طريق الربوت والذكاء الاصطناعي فيشكو اليه الإنسان ويدله على طريق التوبة، وكذلك فعل في بعض آلهة الهندوس وغير ذلك. ويكفي انها تنزع الروحانية من القلوب في ظل مادية بغيضة دون استشعار جانب التعبد.
أخيرا، يجب أن نعلم أن هذه ما هي إلا وسائل أمرنا الله بالانتفاع بها والاستفادة من برامجها، ويبقى ربنا عز وجل هو الذي علم الإنسان ما لم يعلم.