كلما جاء شهر رجب من كل عام نعيش معجزة الإسراء والمعراج، وهي معجزة فريدة في التاريخ لنبي فريد بين الأنبياء، ولكن المطلوب من كل مسلم أن يتخذ من هذه المعجزة معراجا روحيا يعرج به كل يوم فوق زخرف الدنيا ومغرياتها، وينطلق من أهواء نفسه الى سماء التقرب الى الله بالطاعات والأعمال الصالحة، وبهذه المناسبة نستطلع آراء رجال الشرع حول المفهوم الشامل لهذه الرحلة والعبر والدروس المستفادة منها.
يقول د.خالد الخراز: رحلة الإسراء والمعراج رحمة من الله تعالى بعبده وحبيبه محمد صلى الله عليه وسلم، حيث شاهد من آيات الله عز وجل الكبرى ما شاهد، وعاين من أمارات العناية الإلهية فكانت معجزة نبوية بالجسد والروح معا أيدتها نصوص القرآن، تذكرنا بالدروس والعبر التي يجب ان نستثمرها ونحن نواجه الأزمات والصعاب في كل مجالات الحياة وما أحوجنا الى هذه الدروس! وبين د.الخراز الدرس الذي نتعلمه في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء إماما فيه درس الأفضلية، وأنها ليست بالسبق الزمني وإنما بما فضل الله سبحانه وتعالى: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض) وفيه درس مهم هو أن نعطي لأهل الفضل مكانتهم وأن ننزل الناس منازلهم وهو درس في الإمامة وشروطها وهي للأفضل مع وجود الفاضل، حيث تقدم النبي صلى الله عليه وسلم على آدم وهو أبو البشر وعلى إبراهيم الخليل أبي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فصلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء جميعهم في المسجد الأقصى مشكاة واحدة.
مكانة وقدر وفضل
يقول د.عبدالرحمن السماوي: حادثة الإسراء والمعراج لها من الفضائل والمزايا لنبينا الكريم عليه أفضل الصلاة والسلام وذلك لما حباه الله في تلك الليلة من هذه المعجزة العظيمة وقد أسري به وعرج روحا وجسدا الى سدرة المنتهى وأمّ بالأنبياء بالمسجد الأقصى وذلك دلالة على أنه خاتم الأنبياء والمرسلين وجاءت هذه الحادثة بجملتها فيها تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم بعدما امتلأت جوانب حياته بسحائب الكآبة والأحزان فأكرمه الله بهذه المعجزة وفي رحلة الإسراء والمعراج يتبين لنا مكانة المسجد الأقصى وما فيه من قدسية ومكانة ويعتبر المسجد الأقصى هو المسجد الثالث الذي تشد إليه الرحال، فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن المساجد الثلاثة الوحيدة التي تشد إليها الرحال هي المسجد الحرام، والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، وما نستفيده من رحلة الإسراء والمعراج الدلالة على علو الله عزّ وجلّ وهذا ما نصت عليه الكثير من الادلة في اثبات العلو لله عزّ وجلّ وما نستفيده ايضا من هذه الرحلة مكانة وفضل الصلاة وما لها من أهمية وفضيلة فهي العبادة الوحيدة التي فرضت مباشرة وكانت في هذه الليلة العظيمة التي عرج بنبينا الكريم عليه افضل الصلاة والسلام ومما نستفيده ما حباه الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من مكانة وقدر وفضل فقد أطلعه الله على بعض الامور الغيبية ووصل الى مكان لم يصله احدا من قبله، ومما نستفيده ايضا قدرة القادر سبحانه وتعالى فقد أسرى بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم الى المسجد الأقصى وعرج به الى سدرة المنتهى في ليلة واحدة بل جزء من الليل فهذه دلالة على قدرة الله عزّ وجلّ وما حصل من معجزة عظيمة ومما يستفاد ان الله تعالى كلم نبينا صلى الله عليه وسلم كما كلم موسى عليه السلام والذي يقف على الخصائص المحمدية - على صاحبها افضل الصلاة والسلام يعلم ان الله اكرمه بالآيات التي اكرم بها كثيرا من الأنبياء قبله، وزاده خصائص لم يعطها احد قبله من الأنبياء والرسل ومما يستفاد ايضا تواضع نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فقد وصل الى سدرة المنتهى وأكرمه الله بكرامات وحباه من الفضائل وأعطاه من الخصائص ومع ذلك كان متواضعا صلى الله عليه وسلم فيأكل مع الفقير ويلاطف الصغير وتأخذ بيده المرأة العجوز وغير ذلك مما لا نحصي من تواضعه صلى الله عليه وسلم ومما يستفاد شرف العبودية لله عزّ وجلّ فلما ان وصف الله هذه الرحلة العظيمة قال: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله.... الآية).
فضائل وثمرات
ويضيف الشيخ سعد الشمري: حادثة الاسراء والمعراج جعلها الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم حيث أسري به من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى ثم عرج به الى الملكوت الأعلى الى سدرة المنتهى عند كلام الرب له سبحانه بروحه صلى الله عليه وسلم وبجسده، وما مر به من أحداث، صلى بالأنبياء، إماما في المسجد الأقصى في فلسطين المباركة ثم لقاؤه ببعضهم عند كل سماء، آدم عليه السلام وإدريس ويحيى وعيسى وموسى وابراهيم الخليل، كلام الرب سبحانه مباشرة بلا واسطة، وفرضت عليه الصلوات الخمس فعلا، والأجر خمسون وفضلا، ولقد رأى من آيات ربه الكبرى ولهذه الحادثة العظيمة من الدروس والفوائد الشيء الكثير، ولعظم هذا الحدث الذي يعد مرحلة فاصلة، وعهدا جديدا من فصول الدعوة الى الله تعالى قد أفرد العلماء فيه رسائل واجزاء وقد أسهب الإمام ابن كثير، رحمه الله، في تفسيره في ذكر أحاديث الاسراء بجميع رواياته في تفسيره عند أول آية من سورة الاسراء (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) ومن هذه الفوائد عظم مكانة النبي صلى الله عليه واله وسلم وعلو منزلته عند ربه حيث لم يقسم الله عز وجل بحياة أحد غير حياته صلى الله عليه وسلم (لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون). وحدة الرسالات حيث ان رسالة الانبياء واحدة وهي الاسلام والتوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له قال تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) مما يدل على أن الاسلام هو الدين الذي لا يقبل الله دينا سواه.
معجزة خارقة
يقول محمد الدعيج: الإسراء والمعراج معجزة حدثت لرسول الله بجسده الضعيف وبكل المقاييس وكلنا يعلم أحداث ومشاهدات الإسراء في المسجد الحرام في مكة الى المسجد الأقصى في القدس، ومن ثم المعراج إلى السماء السابعة وهي معجزة حدثت لرسول الله ولكن قبل ذلك أريد أن أبين أمرا مهما عن الاسراء والمعراج وهو أن المدة التي حدثت فيها هذه المعجزة الخارقة هي فقط ليلة ومدتها افتراضا 7 ساعات إن كانت في الصيف و10 ساعات ان كانت في الشتاء وان المعراج افتراضا 50 دقيقة. وان باقي المدة هي الوقت الذي قضاه رسول الله مع الأنبياء في المسجد الأقصى.
والمدة التي قضاها عند سدرة المنتهى.
والمدة التي قضاها فيما أراه الله من آياته الكبرى والمدة التي راجع رسول الله ربه في عدد الصلوات.. وتردد فيها رسول الله بين الله وبين نبي الله موسى عليه السلام فيما افترضه الله على أمته من الصلاة. والآن دعونا نذهب مع هذه المعجزة الخارقة والدالة على عظمة الله الخالق العظيم..!!
علينا الا ننسى ان هناك آية معجزة اعظم من الآيات التي رآها رسول الله أثناء الاسراء والمعراج، انها الآية التي مدح الله عز وجل نفسه ونزهها تنزيها وتقديسا سبحانه وتعالى عن العيب، والنقص، والأوهام الفاسدة، والظنون الكاذبة (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا) ليلا فقط في مدة لا تتجاوز (7 - 9 ساعات).
50 دقيقة تقريبا معراج الرسول الى السماء السابعة - كما افترضه وان باقي المدة هي كما بينته افتراضا هو الوقت الذي قضاه رسول الله في اسرائه من المسجد الحرام الى المسجد الاقصى وصلاته بالأنبياء والرسل في المسجد الاقصى مع الأنبياء.. والمعراج الى السماء السابعة على ظهر البراق كل ذلك في ليلة لا تتجاوز 7 - 9 ساعات.
الله اكبر ما اعظمها من آية وما اعظمه من إله قوي عظيم..!!
هذا هو الاسراء والمعراج انها اية عظيمة تمت بأمر الله وقوته.
يا الله.. يا الله.. كم أنت إله عظيم قوي رحمن رحيم..
لا تدركك الابصار وتحار في فهمك العقول..!!
هل تعلمون ان الملائكة تعرج الى السماء السابعة في يوم مقداره 50 ألف سنة حسب المقاييس الارضية (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة).
فإذا كانت الملائكة وجبرائيل عليهم السلام.. يقطعون هذه المسافة الى السماء السابعة في يوم واحد مقداره 50 الف سنة من سنوات الارض هل تستطيعون ان تتخيلوا ما هي السرعة التي قطعها رسول الله لترليونات من الكيلومترات.. وهو بكامل جسده البشري الضعيف دون اي اجهزة وبدلات واقية تناسب السرعة والضغط والاحتراق، وبسرعة لا يمكن تتخيلها، هل تعلمون ان مجرد الارتفاع الى علو 2400 متر ينقطع الاكسجين ويتم الاختناق والموت.. فما بالك برسول الله الذي قطع تريليونات من الكيلومترات بجسده الضعيف دون ان يحترق الجسد او يتأثر.
ولذلك مدح رب العزة والجلال نفسه فقال: (سبحان الذي أسرى بعبده).
ولا يمكن ان يتصور ان جسد رسول الله وهو يرتفع من الأرض الى السموات السبع.. وبسرعة لا يتخيلها العقل البشري.. دون ان يحترق كما تحترق النيازك لقد كانت معجزة الاسراء والمعراج عبارة عن قوة خارقة لمقاييس الزمن لا تحكمها مدارك العقول البشرية. ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كما في الاحاديث الصحيحة، فقد أسري به ليلا وأصبح بمكة بين ظهراني قريش، ولهذا كذبه أهل مكة وهذا ليس بمستغرب منهم ولا يعتب عليهم.
وهل تعلمون ان الانسان الوحيد الذي صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه ولهذا قال رسول الله لو وزن إيمان أبي بكر بالأمة كلها لرجحت كفة إيمان إبي بكر رضي الله عنه.
ولهذا قال الله منزها نفسه ومقدسا (سبحان الذي أسرى) اقرؤا سورتي النجم والإسراء لتعلموا لماذا.. مدح الله نفسه وقال: (سبحان الذي أسرى).