بيروت ـ جويل رياشي
في خضم أهوال الحرب الإسرائيلية على لبنان، اختارت الرسامة التصويرية «بنت بيروت» مايا فداوي، أن تواجه خوفها بأسلوبها الخاص، محاولة ان «توثق بيروت» ببوستر (ملصق) ينبض بالحياة والتفاصيل البيروتية.
من داخل شقتها في قلب بيروت، وعلى وقع أصوات القذائف القريبة، انكبت مايا على إنجاز بوستر يحاكي روح العاصمة. كانت تخشى أن تندثر بيروت كما اندثرت ملامح غزة تحت وطأة الابادة. لذلك، سعت من خلال هذا البوستر إلى توثيق معالم بيروت، وكأنها تحميها من العدوان والنسيان. ومع وقف إطلاق النار، أنهت مايا عملها، لتقدم شهادة حية عن مدينة قاومت وبقيت.
العمل «موزاييك من شوارع بيروت من ذاكرتي»، كما تصفه. فيه مبنى موجود فعلا في بدارو وبيت في الأشرفية، و«بناية الأطباء» في الحمرا ومشاهد من الصنايع وقريطم والمزرعة وبرج أبو حيدر وعين المريسة... وفيه أيضا الجبل والبحر.
لم تستعن مايا بصور فوتوغرافية، فقط بذاكرتها. «أنا بنت بيروت، من المصيطبة. عشت عمري كله فيها. غادرت لثلاث سنوات فشعرت بالاختناق خارجها، لذلك عدت. كل شبر في بيروت أحبه. عندما بدأت الحرب الإسرائيلية على لبنان أرسلت اولادي إلى الأردن، لكنني فضلت البقاء هنا، رغم انني كنت مرعوبة مما يحصل. لم أستطع ان اتفرج على بيروت تحترق من بعيد. أفضل ان احترق معها. ولا أبالغ ان قلت ذلك».
التفاصيل التي وضعتها مايا في البوستر كفيلة بتظهير علاقتها ببيروت وتعلقها بها. 140 ساعة عمل تقول انها ساعدتها على مواجهة الرعب الذي عاشته خلال العدوان والمشاعر المتضاربة التي خلفها.
هي اليوم سعيدة بتفاعل الناس مع هذا العمل: «أحب كيف ان الناس يريدون أن يقتنوا قطعة من بيروت في بيوتهم، خاصة المغتربين. يقولون انهم يشعرون كأنهم يمشون في شوارع بيروت. يودون ان يكونوا فعلا داخلها. التفاصيل تشبهنا. محلات «دبوس الأصلي»، الشرفات، الغسيل المنشور عليها، مكتبة لبنان، اللحام، الستائر التي نضعها على الشرفات. لا اعتقد ان هناك شعبا آخر يحمي الشرفات بالستائر الخارجية. أحب مشهد هذه الستائر وخصوصا عندما يهب الهواء وتبدأ بالرقص معه».
قبل أن تدخل ميدان الرسم لكتب الأطفال، عملت فداوي في عدة مجالات منها الرسوم الزخرفية والمنمنمات، كما عملت لدى شركات اعلان، وقامت بتنفيذ رسوم جدران في بيوت وقصور عدة في لبنان، كذلك رسمت على جدران غرف الاطفال... وتقول ان كونها رسامة لكتب الأطفال «ترى الدنيا من وجهة نظر خفيفة». وتضيف: «لا أحب النكد والحزن والمواعظ. وهذا واضح في رسومي. وأحب الفوضى. لكنني في هذا البوستر عن بيروت حاولت ألا أحدث فوضى وأن أظهر بيروت مرتبة نوعا ما. ما يعني كابلات كهربائية أقل، دراجات نارية أقل، سيارات أقل، لافتات أقل...».
مصادفة انتهاء العمل بالبوستر مع مرحلة وقف اطلاق النار وانتخاب رئيس جمهورية وتسمية رئيس حكومة كان لها وقع خاص على الفنانة.
تختم حديثها إلى «الأنباء» متمنية «ولادة جديدة لبيروت ولبنان».