يأمل آخر من تبقى في سورية من أفراد الطائفة اليهودية «الموسوية»، التي تشتت أفرادها على يد النظام المخلوع، لم شملهم مع عائلاتهم في العاصمة دمشق، كما كانوا في السابق، مؤكدين انتماءهم الوطني لسورية ورفضهم أي احتلال إسرائيلي لأراض من بلدهم.
وعبر التاريخ احتضنت سورية العديد من الحضارات، وعاش فيها عدد كبير من اليهود، إلا أن أعدادهم بدأت بالتراجع في عهد الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد، واضطر معظمهم إلى مغادرة البلاد عام 1992، فيما صودرت ممتلكات بعضهم.
وقبل 30 إلى 35 عاما، كان عدد اليهود في سورية يقدر بنحو 5 آلاف نسمة، لكن هذا العدد انخفض اليوم إلى أقل من 10 أفراد، معظمهم يقطنون الأحياء القديمة في دمشق.
وبعد سقوط النظام في 8 ديسمبر الماضي، يتطلع العديد من اليهود السوريون لزيارة وطنهم بعد عقود من الغياب، تماما كما فعل الحاخام يوسف حمرا، الذي عاد إلى دمشق في 18 فبراير الماضي، بعد 33 عاما من إجباره على مغادرة بلاده عام 1992.
وقال زعيم الطائفة في سورية، بحور شمطوب لوكالة «الأناضول»، إن أفراد عائلته هاجروا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل عام 1992، ومنذ ذلك الحين يعيش بمفرده في دمشق.
وأضاف: «هذا المكان قضيت فيه طفولتي. أحب دمشق وسورية، نحن نعيش معا هنا دون أي تفرقة دينية. الحمد لله، الأمور جيدة، لا أواجه أي مشكلات مع أي أقلية أو طائفة، أنا جزء من الشعب السوري، والحمد لله الجميع يحبني كثيرا، لهذا السبب لم أغادر».
وعن الفترة التي عاشها في ظل نظام البعث، قال شمطوب: «في السبعينيات، خلال حكم حافظ الأسد، كانت هناك قيود شديدة على اليهود. لم يكن يسمح لنا بالسفر أو امتلاك العقارات. في ذلك الوقت، كان يمنع أي شخص من التحدث مع اليهود، وكانت بطاقات هويتنا تحمل كلمة «موسوي» بحروف حمراء كبيرة».
وفق شمطوب، «خلال الثمانينيات، منع اليهود من مغادرة البلاد، أما في التسعينيات، توصلت الولايات المتحدة إلى اتفاق مع حافظ الأسد، سمح بموجبه لليهود الذين يرغبون في مغادرة سورية بالخروج».
واستطرد: «كنا مثل الطيور المحبوسة في قفص، وبمجرد فتح الباب، طار الجميع. لقد غادر العديد من اليهود تاركين منازلهم وأعمالهم، بينما تمكن آخرون من بيع ممتلكاتهم قبل الرحيل».
وأضاف: «قبل 4 سنوات، اعتقل 3 من أصدقائي (غير اليهود) لمدة 3 أشهر، فقط لأنهم تحدثوا إلينا. كان التحدث إلى الأجانب ممنوعا، لكن الآن يمكننا التحدث إلى من نشاء. كنا نعيش تحت الضغوط، ولهذا السبب غادر شباننا البلاد».
وأشار شمطوب إلى أن سقوط نظام البعث غير حياة الجميع، بما في ذلك حياته، وقال: «لدينا الآن حرية أكبر. يمكننا التحدث بصراحة. لم يعد هناك حواجز أمنية تعترض طريقنا، ولم يعد هناك من يراقبنا من أجهزة المخابرات. باختصار، أشعر أنني أصبحت حرا. الأمور الآن أفضل مما كانت عليه سابقا».
شمطوب، الذي يعرفه الجميع في حي باب توما، أحد الأحياء القديمة في العاصمة السورية، قال إن الحزن يملأ منزله، وإنه ينتظر عودة أفراد العائلة إلى دمشق في أقرب وقت ممكن.
واستدرك: «لكن كيف سيعودون؟ المنازل تحتاج إلى ترميم، ولا يمكنهم ترك الولايات المتحدة والعودة إلى دمشق حيث لا يوجد ماء أو كهرباء».
وأوضح أنه بعد تركه المدرسة، عمل في مجال الخياطة، ثم افتتح متجرا، كما عمل لاحقا في تجارة المجوهرات والعقارات.
وتابع: «في الماضي، كنا عائلة واحدة، نعيش معا، نتبادل الأحاديث ونعد الطعام. أما الآن فأنا وحدي، أطبخ لنفسي، وأغسل الصحون بنفسي، لقد اعتدت على هذه الحياة».
وعن احتلال إسرائيل لأراض في جنوب سورية عقب سقوط نظام البعث، قال شمطوب إن إسرائيل: «ستنسحب في النهاية، ما يفعلونه خطأ. لكنهم لا يستمعون لأحد، لأن الولايات المتحدة وأوروبا تدعمهم».
ولدى سؤاله عما إذا كان يعتبر إسرائيل جهة ممثلة له، أجاب: «لا، إطلاقا، هم شيء، ونحن شيء آخر. هم إسرائيليون، ونحن سوريون».
من جانبه، قال التاجر اليهودي الدمشقي سليم دبدوب، الذي يمتلك متجرا للقطع الأثرية في سوق الحميدية بدمشق، إنه انفصل عن عائلته عام 1992 لدى هجرتهم.
وقال دبدوب، المولود في دمشق عام 1970: «بقيت هنا لإدارة أعمالي. أسافر باستمرار بسبب العمل، وهذا يسمح لي أيضا برؤية عائلتي في الولايات المتحدة. الحمد لله، أمورنا جيدة. لا يوجد تمييز هنا، الجميع يحب بعضهم البعض».
وأشار دبدوب إلى أن التوقعات تزايدت بزيارة العديد من العائلات اليهودية سورية بعد سقوط النظام، وقال: «قبل عام 1992، كان هناك حوالي 4 آلاف يهودي في دمشق. كان لدينا حاخام، وكان التجار هنا، الجميع كان هنا، لكن الجميع هاجر في ذلك العام».
وأردف: «بعض ممتلكات اليهود الذين غادروا لاتزال قائمة، لكن بعضها الآخر تم الاستيلاء عليه بطرق غير مشروعة. بعض المتورطين في الاستيلاء كانوا على صلة بالنظام، حيث زوروا الوثائق للاستيلاء على الممتلكات».
وأكد دبدوب أنه يتمتع بعلاقات جيدة مع جميع فئات المجتمع، مضيفا: «الحمد لله، لا نشعر بالغربة هنا، نحن جميعا إخوة».
وأشار إلى أن بعض الزوار يبدون دهشتهم عندما يعلمون أنه يهودي، موضحا: «في الماضي، كنا نواجه صعوبات أمنية، فقد كنا تحت المراقبة المستمرة من قبل قوات الأمن، وكان هناك خوف دائم. الحمد لله، لم يعد هناك خوف اليوم. إن شاء الله سيكون المستقبل أفضل، وسيعم السلام بين الشعوب».
كما أعرب دبدوب عن أمله في مستقبل مزدهر للتجارة، وقال: «هذا المتجر (متجر التحف) مملوك لعائلتي منذ عام 1980، وبعد هجرتهم أصبحت أنا من يديره».
وفيما يتعلق باليهود الدمشقيين الذين غادروا البلاد، ختم حديثه بالقول: «هم الآن سعداء للغاية، ويتطلعون إلى زيارة دمشق واستعادة ذكرياتهم القديمة. كان مجتمعنا يقدر الحياة الأسرية كثيرا، وكنا نذهب إلى أماكن العبادة يوميا».