استعرضت مجموعة الوطني للثروات (NBK Wealth)، ضمن سلسلة مقالات «قيادة الفكر»، كيفية تأثير القرارات الاستثمارية على مشاعر المستثمرين، حيث تلعب المشاعر دورا جوهريا في توجيه قراراتهم، وغالبا ما يكون تأثيرها على النتائج أكبر مما يظن البعض.
ويشير التقرير إلى أنه من بين مختلف المشاعر التي يمر بها المستثمرون، يبرز الخوف والجشع كأقوى العوامل المؤثرة في سلوك الأفراد واتجاهات السوق، وبالنسبة للمستثمرين على المدى الطويل، فإن فهم هذه المشاعر هو المفتاح لبناء الثروات، حيث لا يقتصر النجاح الاستثماري على اختيار الأصول المناسبة فحسب، بل القدرة على التحكم بالعواطف وفهم سيكولوجية الاستثمار.
ويعد «تفادي الخسارة» أحد أكثر أشكال الخوف شيوعا في عالم الاستثمار، إذ يميل الأفراد إلى الشعور بألم الخسائر بشكل أكبر من متعة تحقيق مكاسب بقيمة مماثلة، وقد يؤدي هذا التحيز النفسي إلى دفع المستثمرين للتمسك بالاستثمارات الخاسرة لفترات طويلة، على أمل تعويض خسائرهم، بدلا من اتخاذ قرارات عقلانية تستند إلى معطيات السوق. وخلال فترات التقلبات الحادة أو عدم اليقين الاقتصادي، يصبح الخوف عاملا رئيسيا في دفع المستثمرين إلى حالة هلع البيع، مما يؤدي إلى الخسائر المحققة بدلا من تبني رؤية طويلة الأجل. ويساهم هذا السلوك في تفاقم تراجعات السوق، إذ يؤدي البيع الجماعي المدفوع بالخوف إلى تسريع انخفاض الأسعار.
وتعتبر الأزمة المالية العالمية في العام 2008 أحد أبرز الأمثلة على ذلك، إذ أقدم العديد من المستثمرين على تصفية محافظهم الاستثمارية عند أدنى مستويات السوق أو قريبا منها، مما أدى إلى فقدهم لفرصة الاستفادة من التعافي اللاحق.
ولا يقتصر تأثير الخوف على تجنب الخسارة فحسب، بل يتجلى أيضا في الخوف من فقدان الفرص، وهو المحفز النفسي الذي يدفع المستثمرين إلى ملاحقة الأسهم الرائجة أو أصول المضاربة من دون إجراء الدراسات اللازمة، وغالبا ما يكون هذا السلوك مدفوعا بالصخب المحيط بتلك الاتجاهات والتقلبات اللحظية بدلا من الاعتماد على الأسس الاستثمارية السليمة. ويشير تقرير «الوطني للثروات» إلى أنه في الوقت الذي يدفع فيه الخوف المستثمرين إلى بيع استثماراتهم في أسوأ الأوقات، يؤدي الجشع إلى تأثير معاكس تماما، إذ يشجع على المخاطرة المفرطة في السعي وراء تحقيق أرباح سريعة، ويمكن أن يظهر الجشع بعدة أشكال، مثل المضاربات، والإفراط في الاستدانة، ومطاردة العوائد غير المستدامة. وتتمثل إحدى أخطر نتائج الجشع في تكوين فقاعات الأصول، إذ ترتفع الأسعار إلى مستويات غير مستدامة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك فقاعة الدوت كوم في أواخر التسعينيات وفقاعة الإسكان في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.
وخلال فقاعة الدوت كوم، ارتفعت أسعار أسهم شركات التكنولوجيا الناشئة، حتى تلك التي لم تحقق أرباحا أو لم تكن لديها خطط عمل واضحة، بشكل جنوني مدفوعة بحمى المضاربة والتوقعات غير الواقعية، وتجاهل المستثمرون أساسيات التقييم المالي، ودفعوا أموالهم باتجاه شركات بلا قيمة جوهرية، مدفوعين برغبة الجني السريع للأرباح. وعندما بدأ السوق في التصحيح، انهارت الأسعار، مما أدى إلى خسارة تريليونات الدولارات من القيمة السوقية في فترة وجيزة، ولا يقتصر تأثير الجشع على تكوين فقاعات الأصول فحسب، بل يظهر أيضا في ظاهرة الإفراط في الاستدانة، وهي ممارسة تنطوي على مخاطر كبيرة.
ويلجأ بعض المستثمرين إلى الاقتراض المفرط لتعظيم العوائد المحتملة، مستغلين الرافعة المالية لتحقيق مكاسب أعلى، وعلى الرغم من أن هذه الاستراتيجية قد تعزز الأرباح في أوقات الانتعاش الاقتصادي وارتفاع الأسواق، إلا أنها تجعل المستثمرين أكثر عرضة لخسائر فادحة خلال فترات الركود.
ويقول «الوطني للثروات» إن عملية السيطرة على مشاعر الخوف والجشع، تتطلب وعيا ذاتيا وانضباطا ونهجا استثماريا منظما، وعلى الرغم من استحالة التخلص التام من العواطف، إلا أنه يمكن الحد من تأثيرها عبر تبني استراتيجيات فاعلة:
1- اعرف نفسك وقدرتك على تحمل المخاطر.. يجب على المستثمرين تقييم قدرتهم على تحمل المخاطر استنادا إلى أوضاعهم المالية وأهدافهم الاستثمارية ومرونتهم العاطفية، حيث يسهم هذا التقييم في بناء محفظة استثمارية متوازنة، تبقي الخسائر المحتملة ضمن نطاق مقبول.
2- اتبع استراتيجية استثمار منضبطة.. يعد الالتزام بخطة استثمارية واضحة، والاستثمار المنتظم (باستخدام استراتيجية متوسط التكلفة بالدولار)، وضمان التنويع المناسب، واختيار الأصول وفقا لقدرة المستثمر على تحمل المخاطر، من أهم العوامل المساعدة للحد من تأثير العواطف على القرارات الاستثمارية.
3- عدم محاولة التنبؤ بمستقبل السوق.. يصعب التنبؤ بدقة بحركة السوق المستقبلية وتحديد القمم والقيعان باستمرار. لذا، بدلا من محاولة ذلك، يجب على المستثمرين التركيز على بناء الثروة على المدى الطويل والالتزام بالاستثمار المنتظم خلال فترة تقلبات السوق.
4- موازنة محفظتك بانتظام.. تتضمن إعادة التوازن تعديل المحفظة بشكل دوري للحفاظ على التوزيع المستهدف للأصول. وتساعد هذه الممارسة المستثمرين على خفض انكشافهم على الأصول التي ارتفعت أسعارها بشكل مبالغ، وزيادة الاستثمار في الأصول المقيمة بأقل من أسعارها العادلة.
5- الأخذ برأي احترافي.. يتيح اللجوء إلى مستشار مالي أو خبير استثماري الحصول على رؤى موضوعية، مما يساعد المستثمرين على تجنب القرارات العاطفية.
6- اعتماد منظور طويل الأجل.. على الرغم من أن تقلبات السوق قصيرة الأجل تعتبر أمرا لا مفر منه، إلا أن المستثمرين الناجحين يوجهون اهتمامهم نحو الاتجاهات طويلة الأجل والقيمة الأساسية للأصول.
قياس الخوف والجشع بالأسواق
يشير تقرير الوطني للثروات إلى أن فهم تأثير الخوف والجشع على تحركات الأسواق المالية، يتم من خلال الاعتماد على مجموعة من المؤشرات التي تعكس معنويات السوق، ومنها:
٭ مؤشر فيكس لتقلبات السوق (VIX).. والذي يُطلق عليه أيضا «مقياس الخوف» ويستخدم لقياس التقلبات المتوقعة لمؤشر ستاندرد آند بورز 500 خلال 30 يوما المقبلة، ويشير ارتفاع مؤشر التقلب إلى تزايد حالة القلق وعدم اليقين بين المستثمرين، مما يعكس توقعات تزايد التقلبات، في المقابل، يشير انخفاضه إلى حالة من الاطمئنان.
٭ مؤشرات الخوف والجشع.. وهي مقياس مركب يعكس معنويات السوق عبر دمج مجموعة من المؤشرات المختلفة، مما يساعد على تقييم الحالة العاطفية للمستثمرين، وتحديد ما إذا كان السوق يتحرك بدافع الخوف أو الجشع.
٭ استطلاعات المستثمرين وتقارير المعنويات.. مثل استطلاع ثقة المستثمرين الصادر عن الرابطة الأميركية للمستثمرين الأفراد (AAII)، والتي قياسا دقيقا لمعنويات المستثمرين، عبر تحديد نسبة من لديهم توجهات إيجابية، ومن لديهم توجهات سلبية، والمحايدين في سوق الأسهم، ويتيح تتبع هذه المؤشرات للمستثمرين فهما أعمق لسيكولوجية السوق واتجاهاته المحتملة.