الحياء خلق عظيم، جميل في حق الرجال، وهو في حق النساء أجمل، اتصف به أشرف الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والحياء دليل المروءة، وعنوان الشهامة، وآية على حسن الخلق.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: «خلق الحياء من أفضل الاخلاق وأجلها وأعظمها قدرا وأكثرها نفعا، بل هو خاصة الانسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الانسانية إلا اللحم والدم وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء، ولولا هذا الخلق لم يقر الضيف، ولم يوف بالوعد، ولم تؤد أمانة، ولم تقض لأحد حاجة، ولا تحرى الرجل الجميل فآثره، والقبيح فتجنبه، ولا ستر له عورة، ولا امتنع من فاحشة.
وكثير من الناس لولا الحياء الذي فيه لم يؤد شيئا من الامور المفترضة عليه، ولم يرع لمخلوق حقا، ولم يصل له رحما، ولا بر له والدا، فإن الباعث على هذه الافعال إما ديني، وهو رجاء عاقبتها الحميدة، وإما دنيوي علوي، وهو حياء فاعلها من الخلق. فقد تبين أنه لولا الحياء إما من الخالق أو من الخلائق لم يفعلها صاحبها».
والحياء قسمان: غريزي، ومكتسب، والحياء المكتسب: هو الذي جعله الشارع من الايمان، وهو المكلف به دون الغريزي، وقد ينطبع الشخص بالمكتسب حتى يصير كالغزيري.
والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد، حتى ربما انسلخ منه بالكلية حتى انه ربما لا يتأثر بعلم الناس بسوء حاله، ولا باطلاعهم عليه، بل كثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل، والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد الى هذه الحال لم يبق في صلاحه مطمع.
وأسمى صور الحياء تتجلى في الحياء من الخالق جل جلاله، فالحياء استشعار لعظمة الله سبحانه، قال الناظم:
إذا لم تخش عاقبة الليالي
ولم تستح فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير
ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استحيوا من الله حق الحياء»، قال: قلنا: يا نبي الله إنا لنستحي والحمد لله، قال: «ليس ذاك، ولكن الاستحياء من الله حق الحياء، أن تحفظ الرأس وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، وتتذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء».
هذا الحديث يحوي كثيرا من آداب الاسلام ومناهج الفضيلة، فإن على المسلم تنزيه لسانه أن يخوض في باطل، وبصره أن ينظر الى عورة محرمة أو يرمق شهوة، وأن ينزه أذنه من أن تسمع منكرا، وعلى المسلم أن يفطم بطنه عن الحرام، ويقنع بالحلال الطيب الميسور.
من فوائد الحياء:
1 - الحياء من خصال الإيمان وحسن الاسلام، وهو هجر المعصية خجلا من الله سبحانه وتعالى، وإقبال على الطاعة بوازع الحب لله عز وجل، وهو أصل كل شعب الإيمان.
2 - الحياء يبعد عن فضائح الدنيا والآخرة، ويكسو المرء الوقار فلا يفعل ما يخل بالمروءة والتوقير ولا يؤذي من يستحق الإكرام.
3 - الحياء لا يمنع من مواجهة أهل الباطل ومرتكبي الجرائم، وهو صفة من صفات الأنبياء والصحابة والتابعين، وهو دليل على كرم السجية وطيب المنبت، ويعد صاحب صفة الحياء من المحبوبين من الله ومن الناس.
حاجتنا الى الحياء: الحياء صفة كريمة وملحة، لأن كل الأمور لها علاقة حميمة به، وان مجتمعا وقحا أهله لا يعاش فيه، فلا غنى لنا عن الحياء ولا عيش لنا بدونه، فهو حارس الفضيلة غير المرئي، وهو زينة للمجتمع، وبدونه يقبح كل ما فيه.
إن خلق الحياء شامل لجميع جوانب الحياة، بحاجة له في التعامل مع الله جل في علاه، وفي التعامل مع الوالدين، ومع الأصحاب والأقارب والجيران، وفي التعامل مع الكبار والصغار.