شهدت ساحة «الساعة الجديدة» في مدينة حمص تجمعا ضخما لأبناء المدينة امتد حتى وقت متقدم من ليل أمس الاول، إحياء لذكرى الاعتصام الأول في 18 أبريل عام 2011 وكان أول اعتصام في الانتفاضة الشعبية ضد الرئيس المخلوع بشار الأسد، الذي قام جيشه بتفريقه بالرصاص الحي ما اسفر عن وقوع مئات الضحايا المدنيين بين قتيل وجريح لم يعرف عددهم الدقيق حتى الآن.
واحتشد أكثر من 90 ألف شخص، بحسب وكالة الانباء الرسمية «سانا» لإحياء الذكرى في الساحة التي أطلق عليها مسمى «ساحة الحرية»، حيث أدى المحتشدون صلاتي المغرب والعشاء جماعة وراء إمام وخطيب جامع خالد بن الوليد، فضيلة الشيخ سهل جنيد، وفق ما أفادت وكالة «سانا».
وبعد الصلاة، ألقى جنيد كلمة استذكر فيها ذكرى اعتصام أهالي حمص في ساحة الساعة قبل 14 عاما للمطالبة بالحرية والكرامة، حيث صدحت حناجرهم بصوت واحد حينذاك: «الشعب يريد إسقاط النظام».
وأشار إلى أن ذلك الاعتصام جرى بعد تشييع المدينة وريفها عددا من شهداء الثورة سقطوا برصاص النظام البائد، حيث توافد إلى ساحة الساعة آلاف الجماهير لتمتلئ بشكل كامل بعد غروب شمس ذلك اليوم، من مختلف المكونات الاجتماعية والفئات العمرية: من رجال ونساء، وصغار وكبار، وأكاديميين ومثقفين، وعمال، وتجار، وطلاب، ورجال دين، وأبناء قبائل من المدينة وريفها.
وقال طلال أبو علاء الحمصي، أحد الذين شاركوا في اعتصام الساعة قبل 14 عاما، في تصريح لسانا: إن أهالي حمص وريفها توافدوا إلى ذلك الاعتصام في ساحة الساعة الجديدة، الذين تجاوز عددهم أكثر من مئة ألف مواطن، على امتداد شارع الدبلان مرورا بشارع السرايا وصولا إلى الساعة القديمة. كما بلغت جموع المشاركين مسجد خالد بن الوليد وجزءا كبيرا من شارع الحميدية، تم خلالها تمزيق صورة رئيس النظام البائد التي كانت تعلو مبنى البريد.
ولفت الحمصي إلى أن الهمم والهتافات كانت عالية، وتنادي بالحرية ومنع الظلم والاستبداد والطائفية التي مارسها هذا النظام لعقود، كما ارتفعت الأصوات بإسقاط النظام، فكانت الليلة الأليمة التي أطلق فيها المجرمون الرصاص على المعتصمين.
ونقلت منظمة «هيومن رايتس ووتش» نقلت عن جندي منشق كان قد شارك في فض الاعتصام، شهادة قال فيها: «جلس المتظاهرون في الساحة. قيل لنا أن نفرقهم باستخدام العنف إذا لزم الأمر. كنا هناك مع فرع أمن القوات الجوية والجيش والشبيحة. قرابة الثالثة والنصف صباحا وصلنا أمر من العقيد عبدالحميد إبراهيم من أمن القوات الجوية بإطلاق النار على المتظاهرين».
وأضاف: «رحنا نطلق النار لنحو نصف ساعة. كان هناك العشرات والعشرات من القتلى والمصابين. بعد ذلك، وصلت جرافات وعربات إطفاء. رفعت الجرافات الجثامين ووضعوها على ظهر شاحنة. لا أعرف إلى أين أخذوها. ونقل المصابون إلى المشفى العسكري في حمص. وبدأت عربات الإطفاء بتنظيف الساحة».
وبعد انتهاء قوات الجيش والأمن والشبيحة من تفريق الاعتصام ورفع الجثث، تجمع الجنود والشبيحة في وسط الساحة، وقاموا بالهتاف لرئيس النظام، وهم بسلاحهم الكامل.
لاتزال أعدد ضحايا مجزرة الاعتصام مجهولة إلى اليوم، لسببين رئيسين: الأول، أن عناصر الأمن المشاركين باقتحام الساحة اعتقلوا عددا كبيرا من المشاركين، وقاموا بسحب جثث القتلى، ولم يكن من الممكن لأي من المعتصمين العودة إلى الساحة والتعرف إلى جثث القتلى وإجراء التوثيق اللازم، ولذا لم يتمكن أهالي الضحايا من معرفة مصير أبنائهم، وما إذا كانوا في عداد المختطفين أو القتلى.
الثاني، أن المجرزة كانت من أوائل المجازر التي شهدتها الثورة السورية، ومن ثم فإن آليات التوثيق ومهاراته التي تطورت لاحقا، لم تكن متوافرة آنذاك.
مجزرة الاعتصام شكلت مفصلا أساسيا في آلية تعاطي نظام الأسد مع الاحتجاجات المدنية السلمية، فرغم أن المجزرة سبقت بعدد من المجازر الأخرى، فإنها تمت بشكل منظم ومدروس، لأن الاعتصام كان قد بدأ قبل إطلاق النار على المعتصمين بسبع ساعات على الأقل، ولذا فإنه من الواضح أن المجزرة كانت بنية مبيتة، ولم تكن انفعالا آنيا من أحد المسؤولين الأمنيين.