سورة الرحمن
(وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام) إياك أن تظن أيها الإنسان أنك صنعت السفن من نفسك، فالله عز وجل هو الذي علم نوحا كيف يصنع السفن وهذه اول نعمة عليك، علم البشرية صناعة السفن فكان ذلك من أوراق، ثم جعل الله عز وجل في هذه المياه ما تسميها انت الآن بعلمك قانون الطفو، فمن الذي أودع هذا القانون في الماء؟ لذلك يقول الله عز وجل انظر الى هذه السفن العظيمة التي تمخر عباب الماء بمنافع الناس بنقلهم ونقل بضائعهم ورفع سواريها وأشرعتها كالجبال، هذه كلها من نعم الله عز وجل فبأي آلاء ربكما تكذبان كأن الإنسان يريد ان يقول يا رب لا نكذب بل نؤمن في كل حرف من هذه النعم والآيات.
حقيقة الحياة
(كل من عليها فان) كل من على وجه الارض من الخلق هالك من انس وجن ودواب وسائر المخلوقات يفنى ويموت ويبدد ويبقى الحي الذي لا يموت ذو الجلال والإكرام والفضل والجود الذي يعظم ويُبجل ويُجل، وفي الآية اثبات صفة الوجه لله تعالى بما يليق به سبحانه دون تشبيه ولا تكييف، فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟
هو الغني بذاته عن جميع مخلوقاته
(يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن) يسأله من في السماوات والارض حاجاتهم فلا غنى لأحد منهم عنه سبحانه، كل يوم هو في شأن: يعز ويذل ويعطي ويمنع، يغني فقيرا ويجبر كسيرا ويعطي قوما ويمنع آخرين ويميت ويحيي ويرفع ويخفض لا يشغله شأن عن شأن ولا يبرمه إلحاح الملحين ولا طول مسألة السائلين، فسبحان الكريم الوهاب الذي عمت مواهبه كل اهل الارض والسماوات وعمّ لطفه جميع الخلق في كل اللحظات والانات.
(سنفرغ لكم أيها الثقلان) سنفرغ لحسابكم ومجازاتكم بأعمالكم التي عملتموها في الدنيا ايها الثقلان ـ الانس والجن ـ فنعاقب اهل المعاصي ونثيب اهل الطاعة. وهذا فيه تهديد ووعيد ان الله عز وجل هو الذي سيحاسبنا وسنقف بين يديه لهذا الحساب.
موقف القيامة
(يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان)، ان قدرتم يا معشر الجن والانس على النفاذ من أمر الله وحكمه هاربين من اقطار السموات والارض فافعلوا، ولستم قادرين على ذلك إلا بقوة وحُجة وأمر من الله تعالى وأنى لكم ذلك وأنتم لا تملكون لأنفسكم نفعا ولا ضرا؟ ففي ذلك الموقف لا يتكلم احد الا بإذنه ولا يسمع الا همسا في موقف يتساوى فيه الجميع. فبأي نعم ربكما ـ أيها الثقلان ـ تكذبان؟ (يُرسَل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران) يرسل عليكم لهيب من نار ونحاس مذاب يصب على رؤوسكم فلا ينصر بعضكم بعضا معشر الجن والإنس.
شدة الأهوال
(فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان) فإذا انشقت السماء وتفطرت يوم القيامة فكانت حمراء وهنا ينقل لنا مشاهد القيامة بعد ان ابتدأ السورة بتذكيرنا بالنعم التي نراها في الدنيا حتى تتجه القلوب الى الله وتتحضر لهذا الموعد الذي ضربه الله عز وجل لك، لقاء آت لا محالة في ذلك. ففي ذلك اليوم لا تسأل الملائكة المجرمين من الإنس والجن عن ذنوبهم. فبأي نعم ربكما أيها الثقلان تكذبان؟
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)