- الخراز: وثيقة المدينة أعظم وثيقة بشرية في تاريخ الإنسانية
- الشطي: الهجرة النبوية أعطت درساً في تعليم الأجيال حب الأوطان
- الرفاعي: نقطة التحول في تاريخ البشرية والانتقال من الضعف إلى القوة
سيظل المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها متذكرين الهجرة النبوية الشريفة وما فيها من قيم إسلامية أرسلها خير البرية عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، حافلة بالدروس والعبر التي ينبغي للمؤمنين الاستفادة منها في حياتهم اليومية، ومن هذه الدروس العظيمة يحدثنا علماء الشرع.
حول بعض الدروس للهجرة النبوية الشريفة يحدثنا د. خالد الخراز فيقول: الهجرة النبوية مليئة بالدروس العظيمة وفي مقدمتها حسن التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب ابتداء من التخطيط لأي عمل يقوم به الإنسان، وكان التخطيط للهجرة مبهرا لأنه تخطيط نبي وليس تخطيط بشر عادي، وكان من دروس الهجرة وعوامل نجاحها انتقاء الصاحب والدليل والطريق غير المعتاد، وتحديد غار حراء للمبيت فيه، واختيار عبدالله بن أريقط لمعرفته بمسالك الصحراء ودروبها، وعامر بن فهيرة ليتتبع المسير لمحو آثار السير، وتكليف علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه، بالمبيت في مكان النبي صلى الله عليه وسلم حتى يشغل الكفار عن تتبع رسول الله لحظة خروجه، ومع كل هذه الأسباب يبقى حسن التوكل والاعتماد على الله عز وجل في كل جوانب الرحلة، ومن ذلك ما كان فيه صلى الله عليه وسلم حين قال أبو بكر وهما في الغار: يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا، فقال صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا، وذلك حيث يقول الله عز وجل: (إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم).
وزاد: ومن دروس الهجرة المؤاخاة بين جميع أبناء الأمة وبين المهاجرين والأنصار مما يدل على أنها مبدأ إسلامي تم اعلانه مع بداية دعوة الاسلام وأن المحبة بين المسلمين ضرورة .
حب الوطن
وأكد د. الخراز ان المواطنة وحب الوطن كانا أمرا كرسته الهجرة النبوية، هذا الشعور النبيل كما في حديث ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكة: «ما أطيبك من بلد! وأحبك إلي! ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك»، فكانت الهجرة النبوية التي ظهرت فيها دعائم المواطنة المتمثلة في حب الوطن من الايمان والدفاع عنه من صميم العقيدة.
وأشار د.الخراز إلى أن من دروس الهجرة بناء المسجد وكان أول ما تعلمه النبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله الى المدينة المنورة للتأكيد على دور المسجد وأهميته في حياة المسلمين، ومنها المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار (وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم). كما تعد وثيقة المدينة أعظم وثيقة بشرية في تاريخ الإنسانية في ترسيخ أسس العيش المشترك.
معانٍ عظيمة
من جانبه قال د.بسام الشطي: الهجرة النبوية حققت معاني عظيمة، فالله عزّ وجلّ جعل مخرجا إذا أحسن العبد الظن بالله وبذل السبب وعلم ان الفرج قادم لا محالة.
كما بينت الهجرة أن ارض الله واسعة، ولا شك أن الأرض التي يولد فيها ويترعرع في ثناياها وأرض الآباء والأجداد تكون محببة الى قلبه ويشعر بدفئها وأنها جزء منه، ويعمل على ان يكون لبنة طيبة ومفتاحا للخير ومغلاقا للشر ويدعو أن يجعلها الله دار أمن وأمان ويحميها بحمايته وأن يكون داعيا الى الوسطية وآمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر ونأخذ بأيدي بعضنا حتى لا تخرق السفينة ونتعاون على البر والتقوى ولا نتعاون على الإثم والعدوان وأن يكون كل منا خير سفير للإسلام وندعو الله أن يحفظ البلاد والعباد وولي الأمر.
وقال: أسست الهجرة مبادئ مهمة تصلح لكل زمان ومكان منها العدل والمساواة واحترام حقوق الجميع. ومن الدروس ايضا تعلم قيمة الانتماء ومحبة الأوطان، فحين شارف النبي صلى الله عليه وسلم على الخروج من مكة الى المدينة نظر إليها وفي عينيه دموع المفارق الحبيب وهذا يعلمنا تقديم مصلحة الوطن على المصالح الخاصة الضيقة حتى يتحقق للوطن التقدم والرفعة والإخاء والتنمية لجميع ابنائه، وأكد الشطي على ضرورة غرس قيمة حب الوطن والانتماء له في نفوس النشء حتى يتربوا منذ الصغر عليها وتكون ملازمة له في شبابه فلا يقع فريسة لفكر منحرف يبعده عن المسار الصحيح.
أهمية الصحبة
من جهته، قال الداعية سيد عبدالله الرفاعي: أيام وتطالعنا أضواء الذكرى العطرة الماجدة، ذكرى الهجرة النبوية الخالدة ومع تكرار هذه الذكرى في كل عام نحن لا نسأم الالتفات إليها والاحتفاء بها لأنها من الذكريات الغوالي التي تتجدد آثارها وعظاتها كلما سلك المرء سبيله الى الاعتبار والادّكار. لقد كان حادث الهجرة النبوية في تاريخ المسلمين من اعظم الحوادث وكان نقطة التحول في تاريخ البشرية وبداية الانتقال من الضعف الى القوة ومن الحيرة والبلبلة الى الاستقرار والاستعلاء والتمكين، ومع أن هذه الهجرة رحمة من الله عزّ وجلّ لعباده نراها انطوت على دروس كثيرة عميقة الدلالة دقيقة المغزى بعيدة الأثر في نفوس الكرام، ومن واجبنا ان نحسن الانتفاع بهذه الدروس عن طريق تذكرها والتأثر بها ومن هذه الدروس درس الصداقة والصحبة خاصة وقد أصبح اكثر العلاقات بين الناس في هذا العصر تقوم لغرض او يشوبها شيء من الرياء أو النفاق، والصداقة في حادث الهجرة تتجلى فيها الرابطة العميقة الوثيقة التي ربطت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصديقه أبي بكر رضي الله عنه ولقد كان لأبي بكر دور كبير وعظيم فأعد للهجرة ما تحتاج إليه وسخر في ذلك أبناءه وبناته وأهل بيته وأخذ معه ماله كله ليخدم به الهجرة.
دور المرأة المسلمة
وانتقل الداعية الرفاعي إلى درس آخر يبين لنا أهمية دور المرأة المسلمة في صنع الأحداث العظيمة فكان للسيدة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها دور عظيم في نجاح الهجرة ولولا صمودها وشجاعتها في الوقوف في وجه طاغية قريش أبي جهل لتغيرت حوادث الهجرة.
كما أن من الدروس أن صاحب المبدأ القويم لا يساوم فيه ولا يحيد عنه، بل يجاهد من أجله ولا يرضى بالذل والهوان، ومن ذلك نأي النبي صلى الله عليه وسلم بدعوته عن مواطن إذلالها واغترب بها ليحفظ كرامتها ولو ادى ذلك الى ترك البلد والوطن والأهل والسكن، ومن الدروس ايضا المستفادة من الهجرة، الاهتمام بأمر الشباب حيث إنهم أساس كل نجاح وقوة لكل دعوة فإذا أنبتوا في بيئة الصلاح والتقوى والتهذيب نشأوا على العمل الصالح والسعي الحميد، ولقد شاركت طائفة من هؤلاء الشباب الصالح في حادث الهجرة افضل مشاركة، فهذه عائشة رضي الله عنها الصبية تعد الطعام للمهاجرين وذكرنا من قبل دور أسماء البطولي الصلب، وهذا عبدالله بن أبي بكر الفتى يتجسس لهما ويحمل إليهما الأخبار وهما مختفيان في الغار، وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه الشاب اليافع يتعرض للتضحية الكبرى ويقدم على الفدائية المثلى فينام في فراش النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة وهو يعلم ان سيوف المشركين تستعد للانقضاض على النائم ويظل علي في مكة بعد ذلك يؤدي الأمانات الى اهلها غير عابئ بتهديد المشركين ثم يهاجر علي الشاب منفردا في ثقة وإيمان.
ويقول الرفاعي: ومن الدروس المهمة التي يجب علينا نحن المسلمين ان نتعلمها وأن نستفيد منها خاصة والأمة الإسلامية تمر في هذه الأيام الحالكة بمحنة عصيبة تهدد كيانها وتتطاول على اساسها ومن هذه الدروس المهمة أن الله عزّ وجلّ ينصر من ينصره ويعين من يلجأ إليه ويعتصم به ويكون للعبد المخلص الموقن حتى تنقطع به الأسباب وحين يخذله الناس (إلا تنصروه فقد نصره الله) فلنقف بين العامين وقفة المهاجر بنفسه وإن لم يهاجر بجسده، فلنهاجر الى الله بقلوبنا وعقولنا وأعمالنا ولنلجأ إليه حتى يكون لنا ومعنا، قال تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون).