سورة الواقعة سورة مكية، ذكر الله عز وجل فيها احوال الناس يوم القيامة، والواقعة اسم من اسماء يوم القيامة ترد على المكذبين فيها، (وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ)
قسم الله الناس فيها الى ثلاثة أقسام: السابقون، وأصحاب اليمين، وأصحاب الشمال، ثم ذكر الله في آخرها حال الانسان عند الموت، يقول العلامة ابن عثيمين: ذكرهم الله تعالى غير مرتبين في الفضل، فبدأ الله بأصحاب الميمنة ثم ثنى بأصحاب الشمال ثم ثلث بالسابقين، لكن عند التفضيل بدأ بهم مرتين على حسب الفضل، فبدأ بالسابقين ثم بأصحاب اليمين ثم بأصحاب الشمال، وهذا التفضيل المرتب خلاف الترتيب المجمل، وهو من اساليب البلاغة.
أوصافها
(إذا وقعت الواقعة) إذا: تفيد تحقق الوقوع، والواقعة كما قلنا اسم من اسماء يوم القيامة، ليس للقيامة أحد يكذب بها، (خافضة رافعة) هي خافضة لأعداء الله في النار، رافعة لأوليائه في الجنة، سيخفض يوم القيامة أعداء الله ويرتفع أولياؤه في الجنة، ويخفض رجالا كانوا مرتفعين في الدنيا ويرفع رجالا كانوا في الدنيا منخفضين، (إذا رجت الأرض رجا) ستتغير كل الاحوال لتحرك الارض تحريكا شديدا وتتزلزل الجبال وتتفتت حتى تصبح الجبال كالدقيق المبثوث، فصارت غبارا متطايرا في الجو تذروه الرياح.
ثلاثة أصناف
(وكنتم أزواجا ثلاثة) وكنتم أيها الخلق اصنافا ثلاثة (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة..)، بدأ الله عز وجل بأصحاب الميمنة، حتى يرغب فيها الراغب، ثم قال: وأصحاب المشأمة حتى يرهب الناس أن يكونوا مثلهم.
ميدان السباق
(والسابقون السابقون) والسابقون الى الخيرات في الدنيا هم السابقون الى الدرجات في الآخرة لدخول الجنات، أولئك هم المقربون عند الله، السابقون الى مرضاته، المسارعون الى طاعته، المستثمرون مواسم خيره وفضله، تقربوا الى الله عز وجل فقربهم، (في جنات النعيم) أعظم نعيم في الجنة، القرب من الله، يدخلهم ربهم في جنات النعيم، ذكر منزلتهم قبل ذكر منزلهم، فالمقرب من الله لا يعادله ولا يساويه شيء، (ثلة من الأولين) تدخلها جماعة كثيرة من صدر هذه الامة وغيرهم من الأمم الأخرى، فمهما تأخرت الأزمان يظل الزمن مليئا بالاخيار، (وقليل من الآخرين) وقليل من آخر هذه الأمة يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم باعتبار كثرة الأمم السابقة، وقيل المراد بالأولين أول هذه الأمة، اي: ثلة من أول هذه الأمة وقليل من آخرها.
حالهم
(على سرر موضونة) على سرر منسوجة بالذهب، (متكئين عليها) متكئين عليها يقابل بعضهم بعضا، (يطوف عليهم ولدان مخلدون) يطوف على خدمتهم غلمان لا يهرمون ولا يموتون، (بأكواب وأباريق وكأس من معين) بأقدار وأباريق وكأس من عين خمر جارية في الجنة، لا تذهب العقل كخمر الدنيا، ولا تصدع فيها رؤوسهم ولا تذهب بعقولهم، (وفاكهة مما يتخيرون) ويطوف عليهم الغلمان بما يتخيرون من الفواكه، (ولحم طير مما يشتهون) مما ترغب فيه نفوسهم، (وحور عين) ولهم نساء ذوات عيون واسعة وجعل الحور العين ثوابا للسابقين بالخيرات، (كأمثال اللؤلؤ المكنون) كأمثال اللؤلؤ المصون في أصدافه صفاء وجمالا، (جزاء بما كانوا يعملون) جزاء لهم بما كانوا يعملون من الصالحات في الدنيا، لا يسمعون في الجنة باطلا ولا ما يتأثمون بسماعه، والباء هنا للسببية.
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)