نحن مازلنا بين يدي سورة الواقعة، تلك السورة العظيمة التي بيّن الله عز وجل فيها عظم منته على خلقه، فخلق الانسان وأعطاه مقومات حياته من زروع وماء ونار تشكل أساسيات الحياة، ويعجب الله عز وجل لمن أشرك به وهو المتفضل على الإنسان بكل هذه النعم، وبيّن لنا عز وجل في هذه السورة الكريمة ان الناس منقسمون الى أصناف، منهم السعداء ومنهم الأشقياء.
عظمة كتاب الله
وقد كنا قد توقفنا عند قول الله عز وجل (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون)، يخبرنا الله عز وجل ان هذا الذي بين أيدينا كتاب كريم، وهو كريم في ذاته، فهو كلام الله عز وجل، كريم على من تلقاه بعظيم المن والجود والخيرات، كذلك على من يتلقاه ان يكون كريما مع كتاب الله، فيتلقاه بالتعظيم والتبجيل والإجلال الذي يليق بكلام الله تعالى، وان هذا الكتاب أنزله الله عز وجل من مكان مطهر، محفوظ في كتاب مكنون عند الله عز وجل، اذن به رحمة بخلقه ان ينزل عليهم كلامه، فوجب على هذا الخلق ان يتلقوا هذا الكلام بالتعظيم والانتباه، فقال (لا يمسه إلا المطهرون) لا يمس القرآن إلا الملائكة الكرام الذين طهرهم الله من الآفات والذنوب، ولا يمسه ايضا الا المتطهرون من الشرك والجنابة والحدث.
(تنزيل من رب العالمين)، هذا القرآن الكريم منزل من رب العالمين، فهو الحق الذي لا مرية فيه، ربكم أيها المكذبون يخاطبهم الله عز وجل بربوبيته، اي هو الذي أوجد وهو الذي أمد وهو الذي أعد وأخذ بأيديكم حتى تستقيم حياتكم.
إنكار الكافرين
(أفبهذا الحديث أنتم مدهنون)، أفبهذا القرآن انتم ايها المشركون مكذبون؟ (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون)، وتجعلون شكركم لنعم الله عليكم انكم تكذبون بها وتكفرون؟، وفي هذا انكار على من يتهاون بأمر القرآن ولا يبالي بدعوته.
لحظة الاحتضار
(فلولا إذا بلغت الحلقوم)، فهلا إذا بلغت نفس احدكم الحلقوم عند النزع وحين الاحتضار وأنتم تنظرون الى الملائكة وتنظرون الى ملك الموت وترونه رؤيا العين، أن تمنعوا عنها الموت أو تردوه، (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون)، الله عز وجل يخبر الناس جميعا ويخبر هؤلاء المكذبين بأنه في لحظة الاحتضار هذه فإن ملائكة الله أقرب لهذا الانسان ممن يكون حوله من اقربائه وأحبته ولكن لا تبصرونهم.
(فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين)، وهل تستطيعون ان كنتم غير محاسبين ولا مجزيين بأعمالكم، ولولا هنا بمعنى هلا، أي ان كنتم صادقين وانه لن يكون هناك لا بعث ولا حساب وان الله غير قادر على اعادة الإحياء كقدرته على الخلق وانه عاجز عن الإعادة، قال عز وجل فأعيدوا هذه الروح الى صاحبها ان كنتم تستطيعون وان كنتم صادقين، لا احد يملك ذلك إلا الله عز وجل.
أهل الجنة وأهل النار
(فأما إن كان من المقربين)، فأما ان كان الميت من السابقين المقربين فله عند موته الرحمة الواسعة والفرح وما تطيب به نفسه وله جنة النعيم في الآخرة، وأما ان كان الميت من اصحاب اليمين فيقال له: سلام لك وأمن لكونك من أصحاب اليمين، (وأما إن كان من المكذبين الضالين)، وأما إن كان الميت من المكذبين بالبعث الضالين عن الهدى (فنزل من حميم) فله ضيافة من شراب جهنم المغلي المتناهي الحرارة.
(وتصلية جحيم)، والنار يحرق بها ويقاسي عذابها الشديد، (إن هذا لهو الحق اليقين) إن هذا الذي قصصناه عليك ـ يا محمد ـ لهو حق اليقين الذي لا مرية فيه، (فسبح باسم ربك العظيم) فسبح باسم ربك العظيم ونزهه عما يقول الظالمون والجاحدون، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)