(والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون... الآية)، الذين آمنوا بوجوده سبحانه وبربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته ولم يفرقوا بين أحد من رسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم ثوابهم الجزيل عند الله ونورهم العظيم يوم القيامة، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا وحججنا أولئك أصحاب الجحيم فلا أجر لهم ولا نور. قال عزّ وجلّ: (أولئك هم الصديقون والشهداء) مبالغة في الصدق، والصدق يكون بالنية والفعل والقول بأن تكون نية الإنسان عبادة لوجه الله عزّ وجلّ والصدق في القول، وقد رغب النبي صلى الله عليه وسلم بالصدق وقال «وعليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر» والصدق بالبر متابعة النبي صلى الله عليه وسلم ولأن القرآن مثاني تثنى فيه المعاني والأمور حتى لا يمل الإنسان ويكون بين الخوف والرجاء بيّن الله عزّ وجلّ عقوبة الكافرين فقال (والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم).
متاع متروكة
لما ذكر الله عزّ وجلّ أحوال المؤمنين والكافرين أمرنا أن نعلم من أجل أن نجتهد في التأمل والتفكر فقال (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموالِ والأولادِ... الآية) اعلموا أيها الناس أنما الحياة الدنيا لعب ولهو تلهو بها الأبدان وتلهو بها القلوب وزينة تتزينون بها، وتفاخر بينكم بمتاعها وتكاثر بالعدد في الأموال والأولاد مثلها كمثل مطر أعجب الزراع نباته ثم يهيج هذا النبات فييبس فتراه مصفرا بعد خضرته، ثم يكون فتاتا وما الحياة الدنيا لمن عمل لها ناسيا آخرته إلا متاع الغرور.
سلعة الله غالية
(سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض)، الله عزّ وجلّ يعرض سلعته عليك ألا إن سلعة الله غالية والله دلك على الطريق وإن أسرفنا على أنفسنا، فإنه هو الغفور، ولم يقل بفضله ومنّه سارعوا الى الأعمال، قال سارعوا إلى المغفرة وهي نتيجة الأعمال الصالحة بفضله ومنه وإنابة القلوب إلى رحمته فسابقوا أيها الناس في السعي إلى أسباب المغفرة من التوبة النصوح والابتعاد عن المعاصي ليكون الجزاء مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض وهي معدة للذين وحدوا الله واتبعوا رسله، ذلك فضل الله الذي يؤتيه من يشاء من خلقه، فالجنة لا تنال إلا برحمة الله وفضله والعمل الصالح والله ذو الفضل العظيم على عباده المؤمنين.
كل شيء على الله يسير
(ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير)، بعد أن ذكر الله عزّ وجلّ فضله بالرضا بقضائه أخبرنا عن مراتب الإيمان، الإيمان بالقدر خيره وشره، ركن الإيمان السادس الذي علينا تحقيقه في قلوبنا وإلا فإننا قد أخللنا بإيماننا كما لو فوتنا صلاتنا وصيامنا، فما أصابكم من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم من الأمراض والجوع والأسقام إلا هو مكتوب في اللوح المحفوظ من قبل أن تخلق الأنفس إن ذلك على الله يسير.
قاعدة ربانية
(لكي لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور)، لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من الدنيا ولا تفرحوا بما آتاكم فرح بطر وأشر والله لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا فخور به على غيره.
المتكبرون
(الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد)، هؤلاء المتكبرون هم الذين يبخلون بمالهم ولا ينفقونه في سبيل الله ويأمرون الناس بالبخل بتحسينه لهم، ومن يتول عن طاعة الله لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئا، فإن الله هو الغني عن خلقه، الحميد الذي له كل وصف كامل وفعل جميل يستحق أن يحمد عليه.
(ألقيت هذه المحاضرة في مسجد فاطمة الجسار بمنطقة الشهداء)