- بقلم: طارق الوزان ـ موظف سابق في القطاع النفطي
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها قطاع الطاقة على مستوى العالم، تقف الكويت أمام فرصة تاريخية لإعادة هيكلة قطاعها النفطي بما يعزز دوره كمحرك رئيسي للتنمية الاقتصادية والصناعية المستدامة. ومع استثمارات مرتقبة تتجاوز 13 مليار دينار كويتي خلال السنوات الخمس المقبلة، تزداد الحاجة إلى منظومة مؤسسية أكثر تكاملا وفاعلية، يقودها كيان تنفيذي موحد يتمتع بالكفاءة والنزاهة والرؤية الاستراتيجية. فالقيادة في القطاعات الحيوية ليست منصبا للتوازنات المؤقتة أو المجاملات، بل مسؤولية وطنية تقوم على الجدارة والخبرة، وتشكل الأساس لبناء قطاع موثوق يرسخ الثقة الوطنية ويدفع البلاد نحو مستقبل أكثر تنافسية.
أولا: شواهد عملية على الخلل - دلائل لا يمكن تجاهلها
قبل الدخول في التحليل المؤسسي، تكفي بعض الأمثلة العملية لإظهار عمق التحديات التي تواجه القطاع:
٭ تأخر تنفيذ مشروع النفط الثقيل رغم جاهزيته الفنية وأهميته الاستراتيجية.
٭ إلغاء مشروع «داو كيميكال» وما ترتب عليه من خسائر بمئات الملايين.
٭ عدم تحقيق هدف إنتاج 4 ملايين برميل يوميا رغم وضوح الرؤية وتوافر الموارد.
٭ بطء تطور الصناعات التحويلية رغم توافر المواد الخام والطلب العالمي.
هذه الحوادث ليست حالات فردية، بل مؤشرات على خلل مؤسسي متجذر يجعل الإنجاز الاستراتيجي أصعب مما ينبغي.
ثانيا: الخلل البنيوي في البنية المؤسسية
لا تكمن جذور الأزمة في نقص التمويل أو غياب الرؤية أو ندرة الكفاءات، بل في تفكك البنية المؤسسية، إذ تعمل الشركات التابعة لمؤسسة البترول الكويتية كوحدات شبه مستقلة، لكل منها أولوياتها التشغيلية والإدارية والمالية، في غياب إطار قيادي موحد أو مرجعية استراتيجية عليا.
هذا الوضع أدى إلى:
٭ تضارب الصلاحيات وتباين الأولويات.
٭ ازدواجية الهياكل الإدارية وتشتت الكفاءات الوطنية.
٭ ضعف الرقابــــــــة المؤسسية وغياب منظومة تقويم شاملة.
٭ بطء الاستجابة للتحولات العالميـــة في الطاقة، والتحول الرقمي، ومتطلبـــات الشفافية والحوكمة.
والنتيجة فجوة متسعة بين التخطيط والتنفيذ، وتحول التنسيق بين الشركات من أداة للتكامل إلى عبء بيروقراطي.
ثالثا: غياب النموذج المالي والتشغيلي الموحد - خسارة لاقتصاديات الحجم
بينما تعتمد كبرى الشركات العالمية في الطاقة نموذجا ماليا وتشغيليا موحدا (One P&L) يربط جميع الأنشطة بهيكل واحد يهدف لتعظيم العائد وضبط التكاليف، يفتقر القطاع النفطي الكويتي إلى هذا الإطار.
كل شركة تابعة تحتفظ بهيكلها الإداري والمالي المستقل، ما يكرر الإدارات ويهدر الموارد. وتفتقر الإدارة المركزية للتخطيط إلى الصلاحيات التنفيذية لتوجيه الاستثمارات أو إيقاف المشاريع غير المجدية.
النتيجة: ارتفاع التكاليف التشغيلية، ضعف القدرة على اتخاذ قرارات استراتيجية، وبقاء المشاريع الكبرى رهينة الإجراءات البطيئة رغم جاهزيتها الفنية.
رابعا: نموذج الإصلاح - قيادة موحدة وهيكل متكامل
الإصلاح الحقيقي يبدأ بتوحيد القيادة التنفيذية، وإعادة هيكلة الحوكمة على أساس نموذج One P&L، بحيث يدار القطاع كوحدة استثمارية متكاملة تخضع جميع شركاته لإطار مالي وتشغيلي واحد.
يتطلب ذلك:
1 - دمج المجالس التنفيذية للشركات الكبرى تحت قيادة مركزية.
2 - إلغاء التكرار في الوظائف الإدارية والخدمات المساندة.
3 - توحيد أنظمة المحاسبة والتحليل المالي لقياس الأداء على مستوى القطاع.
4 - منح الإدارة المركزية للتخطيط صلاحيات تنفيذية لتوجيه الاستثمارات وتقويم المشاريع.
5 - إعادة صياغة العلاقة مع النقابات في إطار مهني يوازن بين الحقوق ومتطلبات الأداء المؤسسي.
خامسا: دروس من التجارب العالمية
التجارب الناجحة مثل أرامكو السعودية وأدنوك الإماراتية تثبت أن توحيد القيادة والهياكل التشغيلية يحقق نتائج ملموسة:
٭ رفع الكفاءة التشغيلية بأكثر من 20%.
٭ خفض النفقات العامة والإدارية.
٭ تسريع القرارات الاستثمارية.
٭ تعزيز التصنيف الائتماني وجاذبية الشراكات الدولية.
هذه ليست نظريات بل نماذج عملية قابلة للتطبيق في الكويت.
سادسا: خارطة طريق للإصلاح
يتطلب التحول الشامل خطة دمج مؤسسي يقودها فريق وطني مستقل يضم خبراء محليين ودوليين، يتبنى نموذج حوكمة حديثا يفصل بين التوجيه الاستراتيجي والتنفيذ التشغيلي، ويمكن القطاع الخاص تدريجيا من إدارة الأنشطة المساندة ضمن إطار تنظيمي متطور.
سابعا: اختيار القيادة وأعضاء مجلس الإدارة ليست امتيازاً… بل تكليف لا يمنح إلا لمن استحقه
القيادة في القطاعات الحيوية مسؤولية وطنية لا تمنح إلا لمن اجتمع فيه:
٭ التأهيل العلمي من الجامعات الـ30 الأفضل عالميا.
٭ التخصصات النوعية في الإدارة، الطاقة، الذكاء الاصطناعي، السياسات، المالية، أو الاستدامة.
٭ الخبرة الميدانية في بيئات تنافسية مع سجل مثبت في اتخاذ قرارات صعبة وتحقيق نتائج ملموسة.
وينطبق منطق الجدارة ذاته على عضوية مجالس الإدارة، التي يجب أن تضم خبرات تنفيذية حقيقية، وخلفيات أكاديمية مرموقة، وولاء مؤسسيا واضحا، مع استقلالية عن تضارب المصالح، وقدرة على ممارسة الرقابة وتصحيح المسار عند الحاجة.
مجالس الإدارة الناجحة هي التي تمثل التنوع المعرفي والخبرة العملية والولاء المؤسسي، «يجب أن يتمتع مجلس الإدارة بالتمكين الكامل والاستقلالية التامة، ليكون قادرا على فرض الإصلاحات الجوهرية في المفاهيم المالية والاقتصادية والهندسية، وبما ينسجم مع أهداف الاستراتيجية العامة للدولة أو المؤسسة. ويعد المجلس السلطة الرقابية العليا، ذات الدور التصحيحي لأي انحرافات قد تصدر عن القيادة التنفيذية، بما يضمن الالتزام بالمسار الاستراتيجي وتحقيق أعلى مستويات الكفاءة والحوكمة».
ثامنا: المهارات - قدرات تصنع الفارق ضمن أسس نموذج McKinsey 7S
لا يكفي أن تتوافر الهياكل والأنظمة إذا لم يمتلك العاملون في القطاع المهارات التي تمكنهم من تحويل الرؤية إلى واقع، فالقطاع النفطي، بطبيعته المعقدة يحتاج إلى قدرات متقدمة في مجالات إدارة المشاريع الكبرى، والتحول الرقمي، وتحليل الأسواق العالمية، وإدارة المخاطر، والابتكار التقني. هذه المهارات يجب أن تتعزز من خلال برامج تطوير وتدريب مستمرة، تضمن مواكبة التطورات العالمية، وتغرس في الكوادر القدرة على التفكير الاستراتيجي والعمل بروح الفريق، واتخاذ القرارات المبنية على المعرفة والخبرة العملية.
تاسعا: القيم المشتركة - ثقافة توحد الجميع
القيم المؤسسية، وهي أحد أعمدة نموذج McKinsey 7S، ليست شعارات، بل بوصلة توجه القرارات والسلوك اليومي داخل أي مؤسسة. والقطاع النفطي الكويتي يحتاج إلى منظومة قيم واضحة، تقوم على الشفافية، والمساءلة، والعمل بروح الفريق، والالتزام بالجودة، والابتكار المستمر. هذه القيم يجب أن تكون حاضرة في كل مشروع وكل قرار، وأن يشعر بها كل فرد في المؤسسة على اختلاف موقعه. وعندما تتجذر هذه القيم في الثقافة المؤسسية، تتحول إلى عامل توحيد حقيقي، يعزز الانتماء، ويحافظ على وحدة الهدف، ويضمن استدامة النجاح حتى مع تغير القيادات أو الظروف.
من إدارة الحاضر إلى صناعة المستقبل
لإعداد جيل جديد من القادة، لا بد من استثمار نوعي في التعليم والبعثات والتخصصات الاستراتيجية، فالقيادات الحقيقية تصنع في ميادين التحدي، وتقاس بالأثر الذي تتركه لا بعدد سنوات الخدمة. والقطاع النفطي الكويتي لا يحتاج فقط إلى إدارة الحاضر، بل إلى قيادة تصنع المستقبل وتعيده إلى موقعه الطبيعي كركيزة أساسية للاقتصاد الوطني في عالم الطاقة.