بيروت - عامر زين الدين
موسم العناب البلدي في لبنان ليس كبقية المواسم على بساط الصيف الواسع، بما يجنيه من أنواع مختلفة و«أطايب»، باعتباره موسما يكاد يكون الأسرع بين نظرائه وذي وقت قصير.
على هذا الأساس ينتظر اللبنانيون الموسم بشغف كبير وشوق أكبر من المحبين له، لأسباب تعود إلى الرغبة بأكله عندما يكون أخضرا مع تموجه باللون الوردي أو المائل إلى «العنابي». وثمة من يضعه في البراد لحفظه وأكله في الشتاء، فيما الكثير منهم يجففونه لأكله مع المكسرات، أو تحويله إلى شراب نظرا إلى فوائده الكبيرة.
بين العناب البلدي والعناب الايطالي أو «المهجن»، تختلف المذاقات والرغبات. ففي الأعوام الأخيرة، برز على الساحة اللبنانية موسم العناب الايطالي كمنافس أساسي للبلدي. وتميز عنه بحجم ثماره الكبيرة التي تبلغ حجم حبة الإجاص الصغيرة تقريبا. ويجتاح هذا النوع الأسواق باعتباره المفضل لدى كثيرين ممن يحفظون انتاجه للشتاء وأكله مع الجوز واللوز كثمرة شبيهة للثمر، وللتلذذ بطعمه الرائع، والحصول على فوائده الصحية الهامة. وتتوزع أشجاره التي تنمو بفترة أسرع من البلدي في مختلف المناطق، بحيث يتناسب مع المناخات المتوسطة حتى المرتفعة بحدود ألف متر.
محبو العناب البلدي يدافعون عنه بالقول أنه الأقدم في لبنان، وطعمه ألذ وجودته أهم، على رغم ان حجم حبوبه طبيعية بحجم حبوب الزيتون. زراعة العناب منتشرة في المناطق المتوسطة الارتفاع التي تتراوح عادة ما بين خمسمائة والف متر عن سطح البحر. وتزدهر كثيرا في منطقة الجبل في قرى مثل معصريتي والرملية ورشميا في قضاء عاليه، ووادي الست وبريح والفوارة وقرى منطقة الحرف والودايا في الشوف.
يقول موسى سعد من بلدة رشميا لـ «الأنباء»: «زراعة العناب لدينا قديمة جدا قدم لبنان، لكن حضورها خجولا ويقتصر على عدد من بساتين البلدة وبعض قرى الجوار، على رغم انها تعتبر من المواسم المطلوبة والمحببة لدى الكثير من المستهلكين هنا. وأقوم سنويا بتوسيع المساحات المزروعة بها، بسبب ميزاتها الكثيرة وأمراضها القليلة وفائدتها الطبية المميزة».
وأضاف: «لا تحتاج الشجرة إلى عناية واهتمام مثل بقية المواسم الزراعية، انما الفكرة الموجودة لدى كثر عندنا لم ترق حتى الآن لتصبح موسما يعتمد عليه، على رغم انه تكاد لا تخلو حديقة منزلية من أشجار العناب، ولو بأعداد قليلة، بحيث لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، وبما يكفي المنزل أو ما يزيد عنه بقليل».
وأشار سعد إلى ان سعر كيلو العناب البلدي يتراوح اليوم ما بين 3 إلى 4 دولارات بحسب جودته. لكن الموسم الحالي، ونظرا إلى التغييرات المناخية التي حصلت في الشتاء والربيع والتبدل ما بين الارتفاعات في الحرارة والصقيع القارس، ولاحقا توقف الشتاء باكرا.. كل ذلك اثر بشكل سلبي على الإنتاج الذي يعتبر هذه السنة أقل من نصف معدله السنوي».
بدوره، يشير سامي حسن إلى «وجود نوعين: الأول بري معروف وتتناقله أيدي المزارعين من جيل إلى آخر منذ آلاف السنين، وذلك من خلال قلع أغصان صغيرة تفرخ حول جذوع الأشجار القديمة، ومن ثم غرسها في التربة لتنمو على نحو طبيعي من دون الحاجة إلى تطعيمها مجددا، والحفاظ على جودة إنتاجها الذي يراوح في الموسم الواحد ما بين 30 و40 كيلوغراما. أما النوع الثاني، فهو المهجن الذي يستورد من الخارج، وتشبه حباته ثمار البلح أو الإجاص من حيث الحجم واللون أيضا، لكنه خال من الأشواك المسننة الموجودة في شجرات النوع الأول».
وتابع: «الفارق بين العناب البري والأجنبي، هو ان جذور الأول تمتد تحت الأرض بكثافة وتؤثر سلبا في غيرها من جذوع الأشجار المثمرة، فيما لا توجد هذه المشكلة مع النوع الأجنبي على رغم ان سعره يقارب سعر البلدي، وتلك الجذور والأغصان قوية، لا تفتك بها الأمراض والآفات. ومن مميزاتها انها لا تحتاج إلى كثير من العناية، ويمكن زراعتها في مختلف أنواع التربة في مواقع بعيدة عن الظل، كما ان إنتاجها يبدأ به من السنة الرابعة وتدخل مرحلة الإنتاج الفعلي بحلول السنة العاشرة بحسب نموها».
يجمع المزارعون من محبي العناب على انه من المواسم اللذيذة ذات النكهات الطيبة، ويؤكل طازجا ومجففا، كما انه دخل في عالم صناعة الحلويات وإعداد عصير الفاكهة، إضافة إلى فوائده الصحية العديدة، لكنه لم يحصل حتى اليوم على التأييد الكافي وكسب الاهتمام من قبل الجهات المعنية في الدولة، ولاسيما وزارة الزراعة على مدى الأعوام الماضية. فيما العشرات من العائلات خاصة في قرى مثل معصريتي مثلا تعتمد عليه كمدخول أساسي للمعيشة. وثمة عائلات لا تزرع سوى موسم العناب لكي تستفيد منه على مدار السنة، بعد ان تتجند لحظة تحول ثمراته إلى وردية للبدء بجني المواسم وإرسالها إلى الاسواق تباعا، للاستفادة من الوقت القصير للموسم الزراعي، بعكس بقية المواسم الصيفية.