- البنوك المحلية غطت الإصدارات بأضعاف القيمة في دلالة على توافر السيولة وقوة القطاع المصرفي
- معدل التغطيات تجاوز 10 أضعاف في بعض الإصدارات.. السوق يرسل رسالة ثقة بالاقتصاد الكويتي
- تنويع آجال الاستحقاق وأسعار العائد يمنح المستثمرين خيارات متعددة ويعزز جاذبية سوق الدين المحلي
- الخطوة نشطت السوق والبنوك تستفيد بعوائد ثابتة وسط تحرك الأموال في قنوات استثمارية منتجة
- العوائد وصلت إلى مستوى 4.625%.. فتحت شهية البنوك نحو أدوات الدين المحلي بثقة وإقبال تاريخي
- الاكتتابات أكدت قدرة الكويت على إدارة ملف الدين بكفاءة.. التمويل المطلوب غطي بمعدلات تنافسية
أحمد مغربي
منذ أواخر يونيو 2025، دخلت الكويت رسميا سوق الدين العام، وذلك في مرحلة جديدة من النشاط والحيوية، مع سلسلة إصدارات مكثفة من قبل بنك الكويت المركزي نيابة عن وزارة المالية، بلغت قيمتها الإجمالية مليار دينار، هذه الإصدارات، التي جاءت ضمن خطة مدروسة لتفعيل قانون التمويل والسيولة، جذبت طلبات اكتتاب غير مسبوقة وصلت إلى نحو 8.5 مليارات دينار، أي ما يعادل أكثر من ثمانية أضعاف حجم المبالغ المطروحة، في إشارة واضحة إلى عمق الثقة التي يحظى بها الدين العام الكويتي، وقوة السيولة المتاحة في الجهاز المصرفي المحلي.
ويعكس هذا الإقبال القياسي على الإصدارات التي طرحها بنك الكويت المركزي منذ يونيو الماضي نجاح السياسة التمويلية الجديدة للبلاد، التي تقوم على المزج بين استغلال فوائض السيولة في السوق المحلي وتوظيفها في أدوات دين حكومية، وبين ضمان شروط تمويلية مواتية للدولة، ويمنح قانون التمويل والسيولة الدولة صلاحيات مرنة لإدارة الدين العام بآجال استحقاق تصل إلى 50 عاما، وبسقف اقتراض يبلغ 30 مليار دينار، بما يتيح تنويع مصادر التمويل وتوسيع قاعدة المستثمرين، وضمان استدامة التمويل اللازم للمشاريع الاستراتيجية الكبرى.
وتكتسب هذه الإصدارات أهمية إضافية كونها الأولى من نوعها منذ انتهاء العمل بمرسوم قانون الدين العام السابق، ما يمثل عودة قوية للكويت إلى سوق أدوات الدين المحلية بعد فترة توقف امتدت لسنوات، وهذا الاستئناف يعكس التوجه الجديد للدولة نحو تفعيل قانون التمويل والسيولة، ووضع إطار قانوني مستدام لإدارة الدين العام، بما يتيح لها إعادة بناء منحنى العائد المحلي، وتوسيع قاعدة المستثمرين، وفتح الباب أمام استراتيجيات تمويل أكثر تنوعا واستقرارا، وجاءت هذه الإصدارات في صورة سندات خزانة مقومة بالدينار الكويتي، وهي من الأدوات المالية الحكومية التي تطرحها الدولة عبر بنك الكويت المركزي لآجال محددة وبعوائد ثابتة، وتعد من بين أكثر الاستثمارات أمانا في السوق المحلي نظرا لكونها مضمونة بالكامل من قبل الحكومة.
ويتيــح هـــذا النوع من الإصـدارات للبنوك والمستثمريــن توظيــف السيولة في أداة منخفضة المخاطر وتدر دخلا ثابتا، وفي الوقت ذاته تمنح الدولة موردا تمويليا مستقرا يدعم خططها في تمويل المشاريع التنموية وسد فجوات الميزانية العامة.
تفاصيل الإصدارات الخمسة
وحــــــول تفاصيــــــل الإصدارات الخمسة، حتى الآن، تكشف بيانات مالية، حصلت عليها «الأنباء»، أن البداية كانت في 25 يونيو 2025 مع الإصدار رقم 1332/61، الذي بلغت قيمته 500 مليون دينار لأجل عام واحد، وجذب طلبات اكتتاب هائلة بقيمة 2.99 مليار دينار، بعائد بلغ 4.375%، وهو ما يمثل تغطية تعادل ستة أضعاف المبلغ المطروح تقريبا، تلاه في 2 يوليو الإصدار رقم 1333/62 بقيمة 100 مليون دينار ولأجل عامين، ليستقطب طلبات بلغت 1.195 مليار دينار، بنفس سعر العائد، وبنسبة تغطية تجاوزت أحد عشر ضعفا.
أما الإصدار الثالث، الذي طرح في 9 يوليو تحت رقم 1334/63، فقد جاء بقيمة 100 مليون دينار ولأجل ثلاث سنوات، وجذب طلبات بلغت 1.160 مليار دينار عند العائد ذاته، بنسبة تغطية بلغت أكثر من أحد عشر ضعفا أيضا. وفي 30 يوليو، تم طرح الإصدار الرابع رقم 1335/64 بقيمة 150 مليون دينار ولأجل عامين، مع رفع العائد إلى 4.5%، ما ساهم في جذب طلبات بقيمة 1.577 مليار دينار، بنسبة تغطية تزيد على عشرة أضعاف. وأخيرا، جــاء الإصدار الخامس رقم 1336/65 في 6 أغسطس الجاري بقيمة 150 مليون دينار ولأجل ثلاث سنوات، مسجلا أعلى عائد في السلسلة عند 4.625%، وسط طلبات بلغت 1.568 مليار دينار، بنسبة تغطية تتجاوز عشرة أضعاف أيضا.
هذا، ويبلغ إجمالي الدين العام للكويت حاليا نحو 2.42 مليار دينار، يتوزع بين دين محلي بقيمة 1.050 مليار دينار، يشمل نحو 50 مليون دينار من إصدارات سابقة تستحق في عام 2027، إضافة إلى مليار دينار من الإصدارات الجديدة. أما على الصعيد الخارجي، فيبلغ الدين العام للكويت نحو 1.37 مليار دينار، ويستحق كذلك في عام 2027.
انعكاسات على البنوك والسيولة المحلية
وتعكس هذه النتائج متانة القطاع المصرفي، وقدرته على المساهمة الفاعلة في تمويل خطط الدولة دون التأثير على قدرته في تلبية الاحتياجات التمويلية للقطاع الخاص، وأظهرت البنوك جاهزية عالية لتغطية الطروحات بأضعاف قيمتها، مستفيدة من مستويات سيولة وفيرة ومعدلات كفاية رأسمال تفوق بكثير الحدود الرقابية المطلوبة. وهذا الزخم في الاكتتابات لا يقتصر أثره على توفير التمويل للحكومة، بل ينعكس إيجابا على تحريك الدورة الاقتصادية وتنشيط سوق المال المحلي، حيث تعود الفوائد إلى البنوك في صورة عوائد ثابتة وآمنة، وتتحرك الأموال في قنوات استثمارية منتجة.
أهمية الإصدارات
وعند طرح قانون التمويل والسيولة في نهاية شهر مارس المنصرم، أكدت وزارة المالية أن العوائد المتحصلة من هذه الإصدارات سيتم توجيهها إلى مشروعات تنموية حيوية، تشمل تطوير البنية التحتية، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم قطاع الطاقة، بما يسهم في تنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية. وهذه المشاريع، التي تقع في صلب رؤية «كويت جديدة 2035»، تحتاج إلى تمويل طويل الأجل ومستدام، وهو ما يوفره قانون التمويل والسيولة عبر أدوات دين مرنة تتناسب مع احتياجات كل مرحلة من مراحل التنفيذ.
رسالة إلى الأسواق
وبنظرة أكثر شمولية، فـــإن نجــاح الإصدارات المحلية، الذي جاء مدعوما بالإقبال الكبير من البنوك والمستثمرين، يوجه رسالة ثقة واضحة إلى الأسواق بأن الكويت تدير شؤونها المالية بخطط مدروسة، وتملك القدرة على الحصول على التمويل اللازم بشروط تنافسية. كما أن تنويع آجال الاستحقاق وأسعار العائد يمنح المستثمرين خيارات متعددة، ويعزز جاذبية سوق الدين المحلي كأداة استثمارية مستقرة، وما بين الأرقام القياسية لحجم الطلب، ومرونة القانون الجديد، وتفاعل البنوك بقوة مع الطروحات، تبدو الكويت في موقع مالي متين يتيح لها المضي قدما في تنفيذ برامجها التنموية الطموحة، دون ضغوط تمويلية، وإذا كان مليار دينار من الإصدارات قد جذب 8.5 مليارات طلبا في فترة قصيرة، فإن الرسالة الأهم هـي أن السوق المحلي قادر علـــى أن يكــون مصدر تمويل أساســي، يعزز الاستقرار المالي ويسهم في بناء اقتصاد متنوع وقوي لسنوات مقبلة.
15 فائدة وعامل قوة
تظهر المؤشرات أن الإصدار المحلي المغطى 8.5 مرة لا يمثل فقط نجاحا فنيا في عملية تمويلية، بل هو شهادة ائتمانية داخلية على أن الكويت تمتلك سيولة محلية فائضة، ومؤسسات مالية قوية، وجدارة ائتمانية راسخة، وقدرة على التمويل الذاتي دون ضغوط، إذ تعكس تلك التغطية نحو 15 فائدة وعوامل قوة كالتالي:
1 ـ عمق السوق المحلي والسيولة الفائضة: إذ إن تغطية الإصدار 8.5 مرة تكشف عن وفرة سيولة داخلية في الجهاز المصرفي وصناديق الاستثمار، ما يعكس أن الكويت لديها قدرة تمويل ذاتية من دون الاعتماد الكامل على الأسواق العالمية.
2 ـ ثقة المؤسسات المالية المحلية بالحكومة: إذ إن البنوك أبدت استعدادها لتوظيف جزء كبير من أموالها في أدوات الدين الحكومية، ما يؤكد ثقتها في الجدارة الائتمانية للدولة.
3 ـ سلامة الجهاز المصرفي: من خلال قوة الرسملة، وارتفاع مستويات السيولة، وانخفاض نسب التعثر في البنوك الأمر الذي مكّنها من الاستحواذ على جزء معتبر من الإصدار.
4 ـ توظيف الأموال في ملاذ آمن: إذ إن أدوات الدين الحكومية تمثل ملاذا استثماريا مستقرا للبنوك وصناديق التقاعد، خاصة في ظل تقلبات الأسواق العالمية.
5 ـ مرونة السياسة النقدية والرقابية: لعب البنك المركزي دورا محوريا في استقرار أسعار الفائدة وإدارة السيولة، ما جعل السوق المحلي بيئة جاذبة لشراء أدوات الدين.
6 ـ التاريخ الائتماني الموثوق للكويت: إذ لم تتخلف يوما عن سداد التزاماتها، وتمتلك احتياطيات ضخمة عبر صندوق الأجيال القادمة وصندوق الاحتياطي العام، ما يجعل أدواتها الائتمانية شبه خالية من المخاطر.
7 ـ تعزيز مؤشر الثقة في الاقتصاد الوطني: كون نجاح الإصدار محليا يرسل إشارة إيجابية للقطاع الخاص والمستثمرين المحليين بأن الحكومة قادرة على تمويل احتياجاتها بسهولة.
8 ـ توازن بين التمويل المحلي والخارجي: الاعتماد على السوق المحلي في إصدار الدين يخفف الضغط على الأسواق العالمية ويمنح الكويت مساحة للمناورة بين مصادر التمويل.
9 ـ إدارة رشيدة للمديونية: رغم الضغوط المالية من تقلب أسعار النفط، تظل مستويات الدين العام في الكويت منخفضة جدا مقارنة بالناتج المحلي، وهو عامل أساسي يجذب المستثمرين.
10 ـ الاستفادة من الطلب العالي لتقليل التكلفة: مع ارتفاع الاكتتاب، تستطيع وزارة المالية إعادة تسعير العائد (Coupon) عند مستويات أقل، ما يخفف عبء خدمة الدين على الموازنة العامة.
11 ـ انعكاس قوة التصنيف الائتماني على السوق المحلي: وكالات التصنيف الدولية مثل موديز، فيتش، S&P تبقي الكويت عند مستويات عالية نسبيا، وهذا ينعكس حتى على ثقة المستثمر المحلي، وكانت ملاحظاتهم الدائمة تتعلق بتوافر قانون الدين العام ما يعني أن تصنيفاتها للكويت ستصبح أكثر قوة.
12 ـ أهمية الإصدار في تنويع أدوات السياسة المالية: فالاعتماد على الدين المحلي كجزء من إدارة السيولة يتيح للحكومة مرونة أكبر في مواجهة أي فجوات تمويلية.
13 ـ رسالة للأسواق العالمية: إذ إن نجاح الإصدار المحلي يعطي مؤشرا للأسواق الدولية على أن الكويت لا تواجه صعوبة في الحصول على التمويل، سواء داخليا أو خارجيا.
14 ـ تعزيز مكانة الدينار كعملة مستقرة: فالطلب على أدوات الدين المقومة بالدينار يؤكد متانة واستقرار العملة الكويتية أمام العملات العالمية.
15 ـ الثقة المجتمعية: مشاركة جميع الجهات المعنية بالاستثمار في أدوات الدين السيادية تعكس توافقا مجتمعيا على أن الدولة قادرة على إدارة التزاماتها المالية باقتدار.