- الجاسر: يمكن استغلاله لنشر الفتاوى الشاذة إن لم تكن هناك رقابة شرعية
- الشطي: الذكاء الاصطناعي أداة ولا يمكن الاستغناء عن المفتي المؤهل
هل يمكن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كمصدر مستقل في إصدار الفتاوى الشرعية، خاصة في أحكام الدين والتي تحتاج إلى اجتهاد دقيق وفهم عميق للنصوص والواقع؟ وما إيجابيات وسلبيات الذكاء الاصطناعي على الفتوى وفهم الفوارق الدقيقة بين الحالات المختلفة، وإن كان قادرا على تحليل المعلومات واستنتاج بعض الأحكام بناء على البيانات المخزنة فهل يستطيع ادراك البعد للتشريع الإسلامي.
عن حكم استخدام الإفتاء عن طريق الذكاء الاصطناعي يقول د.مطلق الجاسر: لا شك أن الإفتاء له موقع عظيم ومنزلة جليلة في الشريعة الإسلامية فهو توقيع عن رب العالمين، ولهذا المقام الجليل شدد في الإفتاء والقول على الله بلا علم، قال تعالى: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
وعن حكم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإفتاء؟ قال: الذكاء الاصطناعي هو استخدام تقنيات قادرة على محاكاة الذكاء البشري في جميع البيانات وتحليلها للوصول الى نتائج معينة، واستخدامه في الإفتاء فيه تفصيل حول أنواع الفتاوى، فالفتاوى على نوعين:
النوع الأول: فتاوى لا تتعلق بظروف شخص بعينه ولا تخضع لموازنة مصالح ومفاسد معينة، وذلك مثل أحكام الصلاة وأركانها وشروطها ونحو ذلك، وكذلك أحكام المواريث مثل بعض برامج الذكاء الاصطناعي المخصصة لتقسيم التركات وقسمة المواريث، فهذا النوع لابد فيه من طلب العلم وسؤاله، فقد قال الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) ولا حرج في الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في الفتوى فيه ولكن بشرطين: الأول: ان تكون الجهة التي دعمت هذا جهة موثوقة أو حصلت على تزكية من جهة موثوقة.
والثاني: أن يكون عند المستفيد منه الحد الأدنى من استيعاب العبارات والدلالات اللغوية.
والشرط الآخر: أن يتحرى كتب المتقدمين من أهل العلم المراد فإنهم أقعد به من غيرهم من المتأخرين.
والنوع الآخر: الفتاوى التي بنيت على أعراف أو احتفت بها قرائن ولابستها ظروف تتغير بها الفتوى عادة، وذلك مثل الفتوى في النفقات الزوجية ونحو ذلك، فهذا النوع لا يجوز أن يعتمد المستفتي فيه على تطبيقات الذكاء الاصطناعي لأخذ الفتوى، وذلك لأن الذكاء الاصطناعي يفتقر الى الكثير من شروط المفتي ومنها التكليف والعدالة وفقه النفس. وأكد الجاسر ضرورة الاستمرار في بحث قضايا الذكاء الاصطناعي ومواكبة الفقهاء لمستجدات التقنيات.
أداة مساعدة
وزاد: لا يمكن إنكار أهمية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي كأداة مساعدة حيث يمكن استخدامه في تحليل واسترجاع الأحكام الفقهية بسرعة ودقة، مما يسهل على المفتين الوصول الى المصادر والمراجع وتنظيم وإدارة الفتاوى، لكن في النهاية يظل الاجتهاد البشري العنصر الحاسم في عملية الإفتاء، إذ لا يمكن للذكاء الاصطناعي ان يستبدل ملكية الفقيه وخبرته في تنزيل الاحكام على الوقائع المتغيرة، بل يبقى مجرد أداة مساعدة تستخدم ضمن إطار منضبط يضمن دقة المعلومات ويمنع اصدار فتاوى قد تفتقد إلى البعد الإنساني والتكيف الشرعي الصحيح.
ويقول د. بسام الشطي: يمثل الذكاء الاصطناعي تحولا تقنيا هائلا يمكن ان يكون له تأثير عميق على الفتوى الشرعية، سواء من حيث تطوير ادوات الافتاء او نشر الفتوى او حتى الوصول اليها. وتقييم اثر الذكاء الاصطناعي في هذا المجال يجب ان يكون منضبطا بضوابط الشريعة، قائما على ميزان المصالح والمفاسد، ومتأصلا في فهم نصوص الوحي.
وعن الايجابيات المحتملة للذكاء الاصطناعي على الفتوى، قال الشطي ان الايجابيات تتمثل في سهولة الوصول للفتوى الموثوقة: يمكن برمجة أنظمة ذكاء اصطناعي تعتمد على فتاوى المجامع الفقهية والعلماء المعتبرة، مما يسهل وصول الناس للاجابات الشرعية الصحيحة، وفرز الفتاوى وضبط التصنيف فيستطيع الذكاء الاصطناعي تصنيف الفتاوى بحسب المذهب او الجهة او التخصص (مالية، أسرية، طبية..) مما ينظم المعرفة ويقلل التكرار والابتكار وأيضا يمكن استخراج الادلة من كتب (NLP) المساعدة في البحث الفقهي باستخدام تقنيات معالجة اللغة الطبيعية والتراث وتلخيص اقوال العلماء بدقة عالية لتكون معينا للمجتهدين والباحثين ونشر الفتوى بلغة العصر بحيث يمكن توليد إجابات شرعية بلغة مفهومة وبلغة متعددة، تخاطب غير العرب والمسلمين الجدد وتخدم الدعوة العالمية وأيضا توظيفه في التطبيقات الذكية مثل تطبيقات السؤال والجواب، أو الفتوى الفورية في مسائل العبادات والمعاملات المباشرة، مما يسهم في رفع الجهل وقطع الطريق على الجهلاء والمتساهلين.
وحول السلبيات والمخاوف الشرعية قال:
1 - غياب الأهلية الشرعية: لا يجوز ان يستغنى بالذكاء الاصطناعي عن المفتي المؤهل، لأن الفتوى عمل اجتهادي يتطلب علما وايمانا وتقوى وفقها للواقع، وهذه صفات لا يملكها «الروبوت» او البرنامج.
2 - الخطأ في الفهم او التقدير: قد يسيء النظام فهم السؤال بسبب غموضه او تعدد دلالاته، او يسحب فتوى في غير محلها، مما يؤدي الى اصدار فتاوى خاطئة قد يُبنى عليها فعل محرم او ترك واجب.
3 - التسطيح والتعميم: الذكاء الاصطناعي قد يُصدر فتوى مجملة في مسألة تحتاج لتفصيل دقيق بحسب حال السائل، مما يُفرغ الفتوى من روحها المقاصدية والشخصية.
4 - غياب نية السائل والمفتي: النية لها أثر في بعض الفتاوى، وكثير من المسائل تعتمد على نية المكلف، وهي امر لا تدركه الخوارزميات.
5 - احتمال استغلاله لنشر الفتاوى الشاذة او المضللة: إذا لم تكن هناك رقابة شرعية على المدخلات والمخرجات فقد يُبرمج النظام لترويج فتاوى تخدم اجندات سياسية او طائفية او انحرافية.
وردا على سؤال حول المحاذير من القرآن والسنة، قال: ليس من القرآن او السنة نص صريح في الذكاء الاصطناعي، لكن هناك قواعد واصول عامة تضبط هذه المسألة، منها:
1 - قوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) النحل: 43. دل على أن المرجع في الفتوى هم «أهل الذكر»، اي العلماء المؤهلون، لا البرامج المجردة او الخوارزميات.
2 - قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار» رواه الدارمي بسند حسن، هذا يدل على خطورة التسرع في الفتوى، فكيف بمن يجعلها آلية بلا رقابة بشرية راشدة.
3 - الاجتهاد لا يناط بغير مؤهل: وقد أجمع العلماء أن الفتوى من جنس القضاء والاجتهاد، ولا تؤخذ إلا من عارف بالكتاب والسنة وأصول الفقه ومقاصد الشريعة.
4 - «قاعدة»: الوسائل لها أحكام المقاصد فإذا استخدم الذكاء الاصطناعي كوسيلة تخدم الشريعة بإشراف العلماء، فله حكم الإباحة أو الندب، اما إذا استخدم في التلبيس او الترويج للباطل، صار محرما.
وأكد الشطي ان الذكاء الاصطناعي اداة، وليس بديلا عن المفتي. فإن استخدم بحكمة وتحت اشراف علمي شرعي، كان معينا في تبليغ الدين، وخدمة الفتوى، وتقريب العلم للناس. اما اذا ترك دون ضوابط او اطلق للتصدي للفتوى بنفسه، فهو خطر عظيم شرعا وعقلا ومنهج الاسلام في كل مستجد: نفعل الخير، ونحذر الفتنة.
وأكد ان الفتوى ليست نصا جامدا بل تحتاج الى سياق وتفسير وفهم وبالتالي لا يصح اسناد الفتوى للذكاء الاصطناعي ولابد من التعامل معه بحذر خاصة في الفتوى.
وشدد على ضرورة ان تبقى الفتوى في يد العلماء المؤهلين لضمان ان الفتاوى المقدمة تتماشى مع مبادئ الشريعة الاسلامية، اما اذا تم استخدامه بشكل غير دقيق او الاعتماد عليه في فتاوى معقدة دون اشراف يمكن ان يؤدي ذلك الى تضليل او تقديم فتاوى غير موثوقة.